بعيداً عن «كامو» قريباً من الحقيقة

Lion des homes

عبد السادة جبار

التعامل مع النص الأدبي لإعداده سينمائياً مهمة تحتاج إلى قدرة ووعي أدبي وسينمائي، إذ أن البحث في بواطن النص الأدبي لاستخراج المغزى والثيمة الأساسية لا يمكن أن تتم على أيدي مخرج يتقن فقط تصوير الأحداث وترجمتها، إن تصوير السطور بنقلها من الورق إلى الشاشة من دون رؤية، لا يجعل منها كائنات حية تجسد تلك الأفكار التي كتبها المؤلف بما يتطابق مع خياله أو خيال القارئ الذي قرأ ذلك العمل الأدبي، ” الضيف L’hote ” قصة قصيرة كتبها “البير كامو ” صدرت ضمن مجموعته القصصية ”المنفى والمملكة ” سنة1957 تحولت إلى فيلم سينمائي عام 2014 بعنوان «بعيداً عن الرجال» يحمل توقيع المخرج الفرنــسي “دافيد أولهوفن”. في الواقع لم يسعى اولهوفن لنسخ القصة على الشاشة، مثلما كتبها كامو بل تعامل مع روح النص بشكل واع، فقد خرج المخرج عن النص ليقدم عملاً رائعاً أنصف فيه الشخصيات ليس فقط في العنوان الذي يحتمل تأويلات عدة ملتبسة عند محللي نصوص كامو فكلمة «L’hote» تترجم أحياناً بمعنى «الضيف»، لكنها أيضاً تحتمل معنى «المضيف»، و”العدو” بل قام برسم الشخصيات بطريقة مختلفة عن رؤية كامو، إذ كانت الشخصية العربية في النص الكاموي مجهولة الاسم والهوية، إلا أن المخرج أطلق عليه اسم “محمد” وعبر عن أفكاره بعد أن كانت شخصية مستلبة.. نكرة، تقع أحداث الفيلم، قبيل اندلاع حرب التحرير الجزائرية (1954)، وبالرغم من مروره على فكرة الاحتلال بشكل مختلف إلا أن الفيلم تناول الموضوع الإنساني في طبيعة العلاقة الإنسانية بين الشخصيات.

سيناريو الفيلم
المدرس الاسباني “دارو” (الممثل فيغو مورتنسن ) يعلم أطفال إحدى القرى الجزائرية اللغة الفرنسية ومن البداية يريهم خريطة عربية يؤشر فيها على العراق ويقول بدأت القراءة والكتابة في ميزوبوتاميا والمعلم يجيد القليل من العربية، إلا انه يكلف من الفرنسيين بمهمة لاتخص التعليم إذ يوكل إليه بمصاحبة القاتل “محمد” )الممثل رضا كاتب) ليقوم بتسليمه إلى مركز الشرطة في قرية تيغيت لأنه ارتكب جريمة قتل ابن عمه الذي أراد أن يسرق طعامه، وحين يرفض ذلك باعتبار إن مهمته أن يعلم الأطفال، يخطره المكلف بان أولاد عمه يلاحقونه لقتله، ولابد له من تسليم المعتقل ويسلمه بندقية ويتركه ويمضي، كان الاسباني رافضاً فكرة المحاكمة، وفي الوقت نفسه كان يشعر بالاشمئزاز من محمد لأنه قتل ابن عمه. لكنه غير رأيه وبدأ يتعاطف مع محمد عندما بدأ العربي يصر على تسليم نفسه؛ لأن قتله سيؤدي إلى أن يثار له أخوه الصغير حين يكبر ويتحول الأمر إلى سلسلة من الثارات لاتنتهي وهي تقاليد لايمكن الحياد عنها، فتسليمه للسلطة يجنب الجميع الكارثة، ومنذ تلك اللحظة، يحدث تماس إنساني بين الرجلين، ويذوب عبر الرحلة ذلك التناقض في الشخصية والطباع بالرغم من انتمائهما إلى ثقافتين مختلفتين، ومن هنا يضطر إلى مرافقته لكن أبناء عمه يلاحقونهما فيضطر الاسباني إلى قتل واحد منهم مجبراً ليجد نفسه هو الآخر أصبح قاتلاً، ثم يختارا طريقاً جبلياً وعراً ليتخلصا من الملاحقة فيقعا في أيدي فرقة من جيش التحرير الجزائري لكنهما يعاملانهما بالحسنى لوجود علاقة طيبة بين دارو وقائدهم، لكن الجيش الفرنسي يتابع جيش التحرير ويكتشف مكان اختبائهم ويحاصرهم بقوات كبيرة جداً ويطلب منهم تسليم الرهينتين ورمي أسلحتهم لينجوا بأنفسهم، وبعد أن يقتل منهم عدداً كبيراً يضطرون للاستسلام لكن الجيش الفرنسي لم يلتزم بوعده فيقوم بقتل الجميع بقسوة ومن دون رحمة ما جعل دارو يصف ما حدث بأنه “جريمة حرب”، لكن قائد الجيش يقر بأنه مضطر لذلك وليس لديه استعداد لمرافقة أسرى، يكمل دارو ومحمد المسيرة وقبل أن يفترقا يدرك دارو إن محمد لم يواقع امرأة في حياته فيلجأ به إلى حانة يعرفها دارو ليعيش ليلة ماجنة قبل أن يسلم محمد نفسه للمحاكمة، يعود دارو الى مدرسته في القرية لكن ليلقي الدرس الأخير لأنه يعلم إن التعليم لم يعد ذو أهمية بعد أن اشتعلت حرب التحرير الجزائرية وانه لن يفلت من قبضة إخوة القتيل .. وهكذا يودع طلابه ويذهب بعيداً عن الرجال.

المعالجة
الأهم في هذه المعالجة السينمائية هو قدرة أولهوفن في التحرر من قصة كامو واتخاذ موقف مغاير وأكثر عدلاً وواقعية. وقد كان للمشهد الذي صور فيه الجيش الفرنسي وهو يقتل الأسرى تأثير في المؤتمر الصحافي الذي أعقب عرض الفيلم عدّه البعض متحاملاً على الجيش الفرنسي وأنه قد يتسبب في إعادة فتح جراح قديمة. لكن أولهوفن دافع عن فيلمه قائلاً: «إنه مأزق تاريخي، لقد قتل الجيش الفرنسي 50 جزائرياً في تلك المنطقة عام 54، إنها حقيقة تاريخية، ويجب أن نعرض الأشياء كما وقعت”. تمكن المخرج من تصوير مشاهد الفيلم بلغة شاعرية مستفيداً من الأجواء المفتوحة للصحراء والجبال وكان دقيقاً في اختيار الأشكال والسحن التي اشتركت في الفيلم، وقد يبدو الفيلم كأنه من أفلام الويسترن الأميركية بطريقة تصوير القصة، لكن برغم ذلك كان ويسترن إنساني بلغة فرنسية وتمثيل مشترك أميركي عربي فرنسي، التغيير النهم الذي أجراه المخرج هنا هو شخصية دارو، اذ خرج عن النص الأصلي، وان دارو في نص كامو كان فرنسياً إلا أن المخرج أراده أن يكون اسبانياً ليمنح فيلمه جوهراً انسانياً أكثر تأثيراً، وأظهره يعاني من قسوة الوضعية الفرنسية لأنهم عدّوا الاسبان أقلية في التكوين الاستعماري رفضوا تقديره واحترامه بسبب انتمائه إلى الأقلية الإسبانية، فيردد قائلاً: “الفرنسيون يعدونني عربياً، والعرب يعتقدون أنني فرنسي “وبذلك صنع المخرج من دارو كشاهد تاريخي مهم في فيلمه.
كان الفيلم على بساطة إخراجه مليئاً بالجوانب الإنسانية الرائعة، فقد صور المخرج تلك العلاقة الكبيرة بين المعلم الاسباني وتلاميذه وتعلق كل منهما بالآخر، وتلك العلاقة التي تطورت بين دارو ومحمد على الرغم من الاشمئزاز الذي أبداه داروا أول الأمر فقد اهتم دارو به حين أصيب بالحمى واكتشف إن محمد لم يكن مجرماً بطبعه، إذ لايجيد القتل حتى في حالة الدفاع عن النفس كأنه إنسان خلق للسلام وتلك معالجة رائعة للمخرج، ومن المشاهد الرائعة ذلك الحوار الذي دار بينه وبين محمد بخصوص العلاقة مع النساء، دفعت الاسباني ليوفر له تجربة بسيطة ليعوض بها هذا الحرمان حتى ولو على حساب راحته، وقد صور أولهوفن تلك الرحلة بواقعية مجسداً التغيرات في الطبيعة وصعوبة الطريق خلال رحلتهما عبر دروب الصحراء بعواصفها الرملية المهلكة وأمطارها الغزيرة عاشاها سوية عبر جبال الأطلس في منتصف الشتاء الجليدي. يعد الفيلم من نوع الصراع الدرامي، كتب النص وأخرجه الفرنسي دافيد أولهوفن، وبلغت ميزانيته حوالي سبعة ملايين وسبعة مائة ألف دولار. رشح الفيلم لأكثر من ستة مهرجانات عالمية، كان، فينيسيا، تورنتو، وغيرها.

*فيلم ” Lion des homes”، تمثيل: فيغو مورتنسن، رضا كاتب، إخراج وسيناريو: دافيد اولهوفن، عن قصة “الضيف” البير كامو.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة