القضاء العراقي وسلطان المناشدات الشعبية

سلام مكي *

الضجة الافتراضية التي حدثت مؤخراً بعد نشر القرار القضائي الصادر بحق المتهمين في عمل ارهابي في بغداد وراح ضحيته العشرات من العراقيين الابرياء، كشف لنا عن حقيقة، تتعلق بعمل السلطة القضائية العراقية. ولما نشرت الاسبوع الفائت مقالا عنوانه( رفقا بالقضاء العراقي) دافعت فيه عن السلطة القضائية، وقام القسم الاعلامي في مجلس القضاء بنشر المقال في موقع السلطة القضائية، بعد اخذه من موقع الصباح الجديد، وجدت ان احد المواقع التي تعمل بالضد من السلطة القضائية. هذا الموقع الذي لا نجد فيه غير السب والشتم بحق القضاء ورموزه، اعاد نشر المقال بعد ان وضع له عنواناً( السلطة القضائية تستجدي الرفق). المشكلة ان هذا الموقع، يتخذ من بعض الهفوات حجة للتوغل في الشتم والسب، بعيداً عن أي منطق او قانون. للأسف، الاخطاء التي ترتكب، أسهمت في انشاء هذا الموقع، وتنامي الروح العدائية ضد القضاء. ما حدث قبل ايام، ان احد الناشطين الافتراضيين، نشر بوستا في صفحته الشخصية جاء فيه: القضاء يستجيب للمناشدات.. شكراً
استجابة للمناشدات التي رفعناها الى رئيس مجلس القضاء الأعلى السيد مدحت المحمود بشأن الأحكام المخففة التي صدرت بحق متهمين بتفجيرات ارهابية في مدينة الشعلة وراح ضحيتها العشرات من الأبرياء أعلنت السلطة القضائية الاتحادية، الأحد، عن تشكيل لجنة رفيعة المستوى لتدقيق دعوى تفجير مجلس عزاء في الشعلة، مؤكدة انه سيتم إعطاء التوصية القانونية بشأنها قبل إحالتها الى محكمة التمييز الاتحادية.
وقال المتحدث باسم السلطة القضائية الاتحادية القاضي عبد الستار بيرقدار في بيان له، إن «رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي مدحت المحمود شكل لجنة برئاسة رئيس الادّعاء العام ونائبه، والمدّعي العام لجلب اضبارة الدعوى في جريمة تفجير مجلس عزاء في منطقة الشعلة».
بعد نشر هذا الخبر، تم اغلاق الموقع الذي يشتم بالقضاة، ولولا اغلاقه، لكان هذا الخبر سببا وحجة، في مواصلة السب والشتم، نعم يمكن ان يستجاب للمناشدات الشعبية وهو امر حسن، ولكن ليس من قبل القضاء، فالقضاء، يستجيب للقانون فقط، وهذا هو اساس النظام الديمقراطي في أي دولة، ان يتحكم القانون بالقضاء ولا سلطة غيره. وبعد ان استمعت الى رأي الاصدقاء القضاة، حول الموضوع، وبينت لهم عدم قانونية هذا الاجراء، قالوا: ان رئيس مجلس القضاء شكل هذه اللجنة، بصفته الرئيس الاداري، واعلى سلطة ادارية، في مجلس القضاء، وانه مارس صلاحياته الادارية، ولم يتدخل في الاجراءات القانونية على اعتبار ان هذه الدعوى من اختصاص محكمة الموضوع وليس من حق أي جهة اخرى حتى لو كانت رئاسة السلطة القضائية، ان تتدخل فيها. فهذه اللجنة هي لتدقيق الاضبارة وبيان مدى تطبيق القاضي للقانون او استعمال سلطته التقديرية بنحو قانوني، أي بمعنى آخر، هي اشبه بلجنة تحقيقية. هذا التبرير، منطقي، لكنه يصطدم بالقانون مرة اخرى، لأن هذا يعني ان هناك شكوى بحق القاضي او الهيئة التي اصدرت القرار، ولكن هنا، لا وجود الا مناشدات شعبية! ولو سألنا عن نتيجة التدقيقات التمييزية، وهل ان محكمة التمييز التي ستنظر القرار، ستصدر قرارها بمعزل عن المناشدات الشعبية؟ هل يمكن لمحكمة التمييز ان تصادق على القرار بعد تلك الموجة من الاستنكارات والادانات والشتائم بحق القضاء؟ ماذا لو تسرب قرار المصادقة وانتشر في صفحات التواصل الاجتماعي كما حصل مع قرار محكمة الجنايات؟ ما هو موقف الشارع والرأي العام من القضاء؟ ان محكمة التمييز، وللأسف، مضطرة الى نقض القرار واعادته الى المحكمة للنظر فيه مجدداً، على ان يكون الحكم هو الاعدام! تجنباً للاحراج الذي وقع في المرة السابقة. وما يسهم في زيادة الرفض الشعبي لقرارات القضاء، والطعن باستقلاليته وحياديته هو الجهل المفرط في القانون، اذ ان السياقات القانونية التي تلتزم بها المحاكم، يجهلها الكثير من الجمهور والمتابعين، ولأجل هذا يتم التهجم على القضاء. ان الخبر الذي روج له الناشط المدني، لو كان يملك ثقافة قانونية، ولو بسيطة، لما تبناه من على صفحته في الفيس بوك، لأنه سيعد انه دليل على عدم استقلال القضاء، فهو خضع الى مناشدات شعبية، وهي اقل قوة وتأثيرا من الاحزاب السياسية المتنفذة في السلطة، فكيف لا يخضع لها لو طلبت منه امرا؟ القضاء العراقي، يرسل اليوم رسائل الى الاخرين، بأنه قضاء غير مستقل، وهو جزء من الفوضى التي يشهدها البلد، في حين، انه يجب ان يكون بمنأى عن أي خلافات وصراعات، تشهدها بقية السلطات والمؤسسات الرسمية الاخرى، عليه ان يكون مستقراً، هادئاً، لا يتأثر بما يدور حوله، فقط يتأثر بما يصدر من تشريعات وقوانين، توجب عليه ان يطبقها. القضاء العراقي اليوم، مطالب بأن يثبت للرأي العام العراقي، انه قضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون، كما نص الدستور على ذلك، وان يتجاوز هذه الازمة التي تعصف بسمعته واستقلاله. ولكن يبقى هذا الاجراء المتخذ من قبل رئيس السلطة القضائية هو اولى المحاولات التي يمكن من خلالها لفت النظر والانتباه الى الاحكام التي تصدر عن القضاء والتي يساء فهمها نتيجة للجهل بالقانون. اليوم يحتاج القضاء العراقي الى حزمة من القوانين والتعليمات التي تعزز من سلطته ونفوذه داخل المؤسسات الاخرى وحتى الرأي العام. عليه ان يشيع من الثقافة القانونية داخل الاوساط الثقافية اولا ومن ثم الاوساط الشعبية، حتى يضمن عدم تكرار ما حدث جراء حكم قضائي.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة