شفرات التسارع المعرفي ودوامة الهدم التي تغمرنا

صادق الازرقي *

مع القفزات العلمية الكبرى المتواصلة، لاسيما في مجال الاتصالات وتكنلوجيا المعلومات وإنتاج السلع، فان المفكرين المعاصرين يشددون على ضرورة الانسجام مع التسارع الكبير في الزمن و الحياة والتفاعل معه والانخراط فيه؛ منبهين على ان الفشل في استيعاب مبدأ التسارع يؤدي الى ما يسمونه العجز الخطير للتعليم وعلم النفس، و محذرين من أن عدم إدراك التغيير يؤدي في مراحله الأولى الى العجز عن المواجهة والاستجابة غير الملائمة وفقدان الفاعلية؛ وفي المرحلة القصوى يفضي الى الإصابة «بالعصاب» وربما التعرض الى الموت، وبرغم انهم نبهوا الى خطورة ذلك حتى في القضايا الاجتماعية، وما يتعلق بمفهوم صراع الأجيال، فانهم لاحظوا ان دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، تشهد اندماجاً ملحوظاً بين الأجيال برغم البون الشاسع من الناحية العمرية، وقد رأوا ان الكهول وكبار السن في تلك البلدان يمارسون من جديد طفولتهم باستعمال وسائل التكنلوجيا الحديثة، بما فيها الألعاب ومسببات التسلية، كما يحرصون على ممارسة الرياضة اليومية ومنها الركض في الفضاءات المفتوحة والغابات، برغم ان اعمار بعضهم تربو على التسعين عاماً؛ ان ذلك يعد عاملاً مخففاً ينجيهم من مخاطر الإحساس بتسارع الزمن المتزايد.
قد يجد الغرب منافذ ملائمة لامتصاص زخم التسارع الذي يسميه المفكرون «صدمة المستقبل» في صور عدة منها محاولة التكيف معه في اقصى المستويات؛ الا ان المشكلة تبرز بحدة في بلداننا.
ولأننا بحسب المتحقق لدينا، نعجز أن نجاري الموجة لنتمكن من تقليل مخاطرها، فان الازمة تظهر لدينا بصور عدة يتمثل بعضها في نحو صراعات في داخل المجتمع، تأخذ في كثير من الأحيان شكلاً مرضياً دموياً يصل الى حد محاولة افناء الآخر والتسبب في موته، وفي اضمحلال الشعور بالمواطنة بفعل أسباب عدة يطول شرحها، من بينها غياب حقوق الناس والتفريط بها في كثير من الأحيان، وما يسببه ذلك من ظلم اجتماعي وحياتي، ينتج عن عدم فهم الفرق بين إيفاء حقوق الناس من جهة، والزامهم بالواجبات التي لا تهدد حرياتهم وحياتهم؛ كما تتوضح الازمة في مظاهر اجتماعية لم تك سائدة لدينا بتلك النسب المرتفعة، ومنها ارتفاع معدلات الطلاق يقابله انخفاض كبير في معدلات الزواج وارتفاع نسب «عنوسة البنات» مع ما يستتبعه ذلك من مشكلات عاطفية واجتماعية؛ تمليها عملية الحرمان العاطفي والجنسي، وتعمق صور الازمات النفسية، التي تشكل مع غياب مظاهر الحياة المدنية عاملاً في تكريس أنماط الموت وتبريرها، بل حتى ترغيبه من دون ان يجرؤ احد على الإعلان عن ذلك؛ فتظل نظرتنا تمجد الموت ـ لا نعني بذلك الموت دفاعاً عن قيم جمعية يتفق عليها الناس ـ ، وتظهر الازمة ايضاً في صور السخرية من أي مظهر للحياة يمارسه الناس كنزعة اعتيادية؛ ولقد سخر بعض الناس في مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً من اشتراك فتيات عراقيات في سباق للسيارات في بغداد، وظهور بعضهن «بالشورتات»، في حين حاول البعض من دون وجه حق وصم تلك الشابات بالفساد والانحلال، وصرخ بعضهم محتجاً، كيف نسمح بحدوث هذا في الوقت الذي يضحي ابناؤنا بأرواحهم في الجبهات ضد «داعش»، ونسي هؤلاء ان المقاتلين ضد الإرهاب يضحون بأنفسهم من اجل هذا بالتحديد، أي من اجل ان يعيش الناس حياتهم الاعتيادية التي يحاول «داعش» والإرهاب منعهم منها، ومن اجل ذلك نفتخر بهم لأنهم يوفرون الحياة لنا باستشهادهم؛ وذلك هو أساس البناء السليم الذي قامت عليه الدول.
ان تسارع حركة الزمن والعلم هو امر حتمي، لأن الطبيعة الإنسانية لن تحتمل ان نضع شروطاً وقياسات لطبيعة وسياق تصرفاتها؛ وبما ان الحركات المسلحة الجديدة ترهن فكرها بالماضي وتظل لصيقة به من دون ان تعير اهتماماً للتكيف مع حالة التسارع الهائلة، فانها سعت وتسعى الى ان تعمم الموت ليشمل اكبر عدد من السكان، فلم يعد الإرهابي يكتفي بتفجير نفسه، بل اصبح همه ان يأخذ معه أرواح اكبر عدد من الناس، وهذا أسلوب ما كان معمولاً به في نشاط الحركات المسلحة طيلة عقود، وطبعاً مع عدم اغفال الاهداف المختلفة للمنظمات المسلحة و كذلك مع اقرارنا ان ثمة اختلافات بين الشعوب والدول في نمط الاستجابة للمتغيرات والتكيف معها؛ ولعل انموذج دولة الامارات العربية المتحدة ابرز مثال للجهود المبذولة لتحقيق ذلك التواؤم ان ظلت تعمل على وفقه، ونأت بنفسها عن دوامة الموت التي تحتمها المراحل القصوى من عدم التكيف التي شخصت بالتجربة.
السبيل الوحيد لبلدان المنطقة ومن ضمنها العراق لبناء حياتها، ينحصر في التكيف مع التطور الهائل في العلوم والمعرفة العلمية والثقافية، وفي مواكبة التسارع في الزمن للحاق به او في الأقل مجاراته؛ وهو ما ادركته بعض الدول في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وافريقيا، وعملت على تقليل مخاطره او حتى منعه؛ ويأتي في مقدمة الإجراءات الواجب اتخاذها اطلاق طاقات المجتمع بالحرص على حرياته التي ضمنها الدستور، وتحقيق المساواة امام القانون أخذاً بنظر الاعتبار صفة الناس البشرية وليس اختلافاتهم الاثنية والجنسية، كما تأتي في سلم أولويات العلاج، تحقيق العدالة الاجتماعية، والمبادرة الى تشريع القوانين التي تحقق للناس آدميتهم في مجالات السكن والضمانات الاجتماعية وخفض معدلات الفقر والقضاء عليه، وكذلك التغيير الشامل للمناهج التعليمية، بما يؤمن اتجاهات وحاجات الحاضر، لا الماضي ولا المستقبل؛ فالماضي لن ينفعنا في شيء سوى التذكر، والمستقبل لن نعرفه لأنه يأتي لاحقاً وعلينا ان نؤمنه لأجيالنا بمسارنا السليم في الحاضر المعاش، ومن دون ذلك وغيره لن يكتب لحياتنا النجاح ولن نلحق بالزمن الراكض ونظل ندور في دوامة الخراب.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة