راوي حاج والعالم الغرائبي في رواية «الصرصار»

علاء شاكر

في مدينة مونتريال بولاية كندا شمال أميركا، المدينة القاسية بأجوائها الباردة والعواصف الثلجية، وداخل غرفة بالية وقديمة ضمن بناية متهرئة وبائسة يسكن الراوي وهو غير معرف باسم معين نصف بشري ونصفه الآخر حشرة “صرصار” كما يدعي وانه ينتمي إلى عالم سفلي حقير، هذا الراوي يغرق في يم حب شوهرة وهي امرأة من طراز خاص تتمتع بجمال جذاب وروح قوية ومتمردة، مهاجرة إيرانية تركت بلادها في ظل الثورة الإيرانية، بعدما تعرضت للاعتقال نتيجة مشاركتها في التظاهرات الطلابية وتبقى في السجن ثلاث سنوات تعذب وتغتصب على يد رجل متنفذ في النظام الإيراني يدعى رشيد، ولم تكن شوهرة وحدها من هاجر إلى كندا قبلها كان مجيد وهو شاعر وثوري يساري نجا من الاعتقال وهو صديق خال شوهرة الذي أعدم من قبل النظام، ومجيد يترك الشعر والصحافة ويعمل سائق تكسي لكسب عيشه، وأيضاً المهاجر رضا عازف آلة القانون الذي يهرب عندما شعر ان الخطر يهدده وكان قد عزف للإمام الخميني وحاول أتباع الإمام كسر أصابعه عندما عزف لحناً غير إسلامي، ويعيش على العزف في المطاعم والبيوتات الغنية من أجل الطعام والشراب والحشيشة، والشاب فرهود مثلي الجنس يعتقل مع مجموعة منهم ويودع السجن مع النساء وبعدها يسجن في سجن انفرادي حتى يستغله ملتحٍ في دائرة السجن ويمارس معه الجنس ويطلق سراحه على أن يعيش معه كخليل حتى يستطيع الهرب بثياب امرأة عبر أفغانستان.
والبروفيسور يوسف جزائري يهرب من الحرب الطائفية ويعيش في غرفة حقيرة ويقضي وقته في مقهى ارتيستا… مجموعة مهاجرين يهربون من بلدانهم شرق الأوسطية ويلتقون هناك في بلاد الغربة ينتظرون المعونات ويعيشون حياة سقيمة.
يحاول الراوي أن ينتحر ولكنه يفشل ويودع مشفى أمراض عقلية ويخرج منها على أن يراجع المعالجة النفسية جنيفيف في عيادتها من أجل وضع تقرير عن حالته النفسية وعبر اعترافاته الملفقة نكتشف سرداً آخر لماضيه فيه حكايات غريبة عن أبيه المغامر والسكير وأمه التي تعاني من مرض الوسواس القهري وأخته التي تحلم برجال ملتحين يحملون السلاح، وعن “أبو رور” صديقه الذي تعرف عليه وتعلم منه السرقة والاحتيال، وعن زوج أخته طوني وهو من رجال الميليشيات وشخصيات أخرى وأحداث أخرى سوداوية يسردها بصيغة اعترافات رجل أقبل على الانتحار وهو تحت العلاج.. بين ماضيه الذي هرب منه بعد مقتل أخته على يد زوجها طوني الميليشاوي وعجزه عن السيطرة على هذا العالم المتردي الذي تحكمه بالسلاح قوة شريرة متشددة وفاسدة وحاضر يهرب إليه ليلتقي بمهاجرين مثله هربوا من بلدانهم ليجدوا أنفسهم بلا وطن وحيدين ضعفاء يعيشون على الإعانات كل هذا السرد يأتي بلسان السارد المشارك والعالم بتفصيلات حياة الشخصيات وهو البطل الذي لا اسم له بوصفه هو السارد لنا عن شخوص وأحداث وزمن ومكان الرواية، ويتناوب السرد بين زمنين زمن حاضر يمثل حياته اليومية هنا في مدينة كندية اسمها مونتريال وهي في شمال أميركا، مدينة مغطاة بالثلوج والعواصف الثلجية الباردة والقاسية في أجوائها متسكعاً بين ملاهيها ومقهاها الأوحد “ارتيستا” وهو مكان يؤمه المهاجرون من رسامين وسياسيين وفنانين وثوار إيرانيين.
اعتمد الروائي راوي حاج تقنية التشظي في الزمن عبر انتقاله بالسرد من سرد الحاضر واليومي المليء بالأحداث المأساوية بين البحث عن العمل والتسكع والحشيشة وحياة التشرد والعوز وبين ماضي يسرده بقصص تثير المعالجة على قساوته، وهذان العالمان يتشكلان عبر سردية غرائبية اعتمد فيها تقنية التصوير والرؤية لسرد المشاهد وإنهما يتشابهان ويعطيان رؤية للواقع الشرق الأوسطي، حيث البلدان التي تسيطر عليها الحروب والميليشيات الدينية التي تتلاعب بمصائر العباد من قتل وترويع واعتقالات ومساومات من قبل جهات منحرفة وقاتلة.. عبر تقانة التصوير والرؤية والوصف التي تتمتع بها الرواية استطاع راوي حاج أن يبني روايته بطريقة جميلة وغرائبية تشد المتلقي وتربطه برباط قوي، فهو يصف وكأنه يجعلك أمام فيلم سينمائي وهو لا يصور فقط ما تراه في الخارج بل يسحبك معه إلى الأعماق في الأماكن السفلية التي لا ترى بقدر ما تتخيل انه يقحمك بعوالم غريبة ومشوقة.. وان الشخصية المحورية في الرواية شخصية السارد، الشخصية السلبية التي هربت من المواجهة الشخصية، الصرصار الذي تدور حوله الرواية ويسردها من وجهة نظره، العالم بكل الشخصيات وماضيها وحاضرها، شخصيات رئيسة وثانوية، فهو يرتبط مع الجميع في علاقة غريبة لا تحمل هماً مادياً، يضع نفسه أمامهم عارياً كاشفاً عن طبيعته الواضحة التي لا تدعي بقدر ما تكون على سجيتها سارق ومحتال ووسخ وهارب ولا يواجه ولا يقدر أن يشارك هذا العالم ولا السيطرة عليه، له قدرة على اختراق الأماكن والقلوب، ومع ان الجميع يعرفونه ولكنهم لا يرفضونه بل يتحاشونه إلا شوهرة فهي حبيبته التي ينتقم لها من رشيد عندما يقدم إلى كندا من أجل عقد صفقة أسلحة خفيفة لإيران وتتعرف عليه شوهرة ويقوم هو بسرقة مسدس ويعلمها كيف تطلق النار ويخبرها بقدوم رشيد للمطعم وتأتي شوهرة لتنتقم ولكنها تخفق ويقوم هو بقتل رشيد وحمايته ليختفي في البالوعة مع المياه إلى عالمه السفلي.
استطاع راوي حاج أن يخلق عالماً غرائبياً ممتلئاً بالأحداث والشخصيات في الحاضر والماضي عبر تقانة الاسترجاع ويختار شخوصه بعناية واستطاع أن يشرحهم ويتعمق في كشف أعماقهم. شخصيات ليست مناضلة ولا بطلة بل شخصيات مهمشة وضعيفة.. ينشئ علاقات بين شخصية البطل الصرصار وبقية الشخصيات علاقة قوية… أولها مع شوهرة وثانيها مع المعالجة النفسية التي تستمع لاعترافاته بقصص عن القاع فيتلاعب بأعصابها ويجعلها مهووسة به وبقصصه يتحدث بطريقة سحرية عما يدور في هذا العالم الذي يعتقد انه سينتهي ويحترق ولا يبقى سوى الصراصير هي التي ستحكم بعد أن تقوم الدينونة.
رواي حاج خلق شخصية روائية فاقت حدود التصور وجعلها بطل الرواية وراويها، تتمحور حوله جميع شخصيات الرواية وترتبط به بعلاقة يحركها ويتفاعل معها بطريقته الغريبة الساحرة فهو يستغلهم ويحتال عليهم ويسرقهم وفي الوقت نفسه كان واضحاً وحقيقياً ومبتذلاً، وخصوصاً مع النساء، حيث المعالجة النفسية جنيفيف كان يقص عليها الأكاذيب لمجرد أن يستغل طيبتها ويبقى خارج المشفى، وسيلفي وصديقاتها يمارس معهن الجنس ويستغلهن ويسرق حقائبهن، وابنة صاحب المطعم سحر يتجسس عليها وهي تمارس عادتها السرية ويستدرجها لمنزله ليرى ذلك أمام عينه يدعوها لفعل ذلك، وجارته ماري يحضر حفلاتها من أجل الطعام والشراب، وزوجة الناطور يشاركها سرقة المرأة العجوز، والبنغالية يراودها وصديقة أخته يستغلها من أجل السرقة.

راوي حاج روائي لبناني كندي هاجر إلى أميركا منذ عام 1982 وحاز على جائزة عن روايته الأولى “مصائر الغبار” وهو مصور محترف وله أعمال في معارض دولية عدة وتعد روايته هذه ضمن أفضل 10 كتب وقد رشحت إلى جوائز مرموقة

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة