نماذج من الحداثة الستينية.. ازدواجية الخطاب وكرفس الطوائف

سلام مكي

أبرز الإشكاليات التي أنتجتها الثقافة العراقية في الوقت الحاضر، هي بروز مثقفين من الجيل الستيني، وصل بهم الحال إلى أن يكونوا أشبه بدعاة التكفير، يسخرون من الطرف الآخر، ويقللون من شأنه وكأن مقاييس الوطنية تتوفر عندهم فقط. ما يحصل اليوم من تجاذبات ثقافية بين شعراء محسوبين على الجيل الستيني أمثال صلاح فائق وجليل حيدر، هي صورة واضحة عما ننوه عنه. صلاح فائق، الشاعر الستيني المعروف، والمحسوب على جماعة كركوك، نراه اليوم يتكلم بنبرة طائفية، وينزلق إلى منزلقات مؤسفة. يكتب مقالات وينشر بوستات في صفحته الشخصية تكشف لنا عن طائفيته وانحيازه الفئوي الواضح، فالشاعر الذي وصف العراق ذات مرة بأنه وطنه القديم، نراه اليوم يتدخل في أمور تافهة، ويصدر أفكاراً لا تقل بؤساً عن تلك الأفكار التي يروج لها، رجل دين متطرف. صلاح فائق، يسخر من العراق بحجة استيراده للكرفس الإيراني دون غيره، ثم ألغى “البوست” بعد اعتراض أصدقاء عليه، تجده كمن يريد القول إنّ على العراق استيراد الكرفس السعودي أو التركي حتى يقتنع ببلده. ولا نعلم، هل شاعرنا يمزح؟ أم يتكلم بجد، لأني أسكن العراق ولم أسمع بأنه استورد الكرفس من ايران أو من غيرها.
من جانب آخر، يستنكر الشاعر، مشاركة كل من الشاعرين نصيف الناصري وعبد الرحمن الماجدي في مهرجان بابل الدولي للثقافات والفنون، قبل أشهر، إذ قال ما معناه: إننا نقرأ في الفيس بوك انتقادات شعراء عراقيين للوضع العام في بلدهم لكنك تفاجأ بأنك تشاهد صورهم وهم أول الحاضرين في مهرجانات ثقافية هناك. أما الشاعر جليل حيدر فنشر على صفحته قائلاً: “مهرجانات عراقية “ثقافية” للتخلف والفتاوى”.. مواقع ثقافية ومقابلات مع فنانين وكتاب رفضت ما يحدث الآن من تلفيق للأدب والفن بتسمية مهرجانات ذات شكل متخلف تعتاش على فتات وزارة الثقافة والكيانات السياسية. هذا حدث في مهرجان بابل العام الماضي عندما أثيرت الضجة ومُنعت مسرحية أوروبية بحجة “الخلاعة” وحدث أن مُنع الغناء والموسيقا في مهرجان ومربد البصرة. الآن وفي بابل تمنع مشاركة الفرق الموسيقية المدعوة أصلاً ويُمنع الغناء. المهرجان “ثقافي” ولم نسمع أي “مثقف” ينسحب باحتجاج، لأن الأجر مدفوع وشراء “الذمم” إن كانت لبعض الشعراء والفنانين ذمة، مدفوع. هلا بثقافة اللصوص والمتريفين والمرتزقة”.
لا شك في ان المقصود بهذه الشتائم هما الناصري والماجدي، اللذان ارتكبا ذنباً كبيراً من وجهة نظر حيدر وفائق وهو المشاركة في مهرجان ثقافي بعيداً عن السياسة وصخبها. هذا المنطق الذي تكلم به صلاح فائق، ينطبق عليه أيضاً، فهو شارك في أحد مرابد الثمانينات، تحت رعاية النظام الدكتاتوري، فهل مشاركته حلال ومشاركة الآخرين حرام (مع الإقرار باختلاف تقييم النشاط الثقافي بين زمنين “تعبوية مفروضة أمام مشاركة حرة”)؟ رد الناصري على شتائم الشاعرين بالقول: “بس الشاعر عبد الرحمن الماجدي المقيم بهولندا وآني، تلقّينا دعوة الحضور الى “مهرجان بابل للفن والثقافات العالمية”من خارج العراق. حضر شعراء والكثير من ضيوف المهرجان من ايران، والسويد، والمانيا، وسوريا، الخ الخ، فرق موسيقة. تشكيل.
شاعران من جيل الستّينيات وجَّها الشتائم لنا لحضورنا المهرجان، اتَّهماننا بالحضور في
الاعلام وانَّنا كلاب وأخوات..”.
أما عبد الرحمن الماجدي فرد قائلاً: “أيها الشعراء العراقيون في الخارج، لا تسافروا إلى بلدكم لزيارة أهلكم أو تشاركون في فعاليات ثقافية، كي لا يعيركم ويشتمكم شاعر عجوز. لم يقرأ أو يطالع كتاباً واحداً منذ 23 عاماً. يتقاضى راتباً من الحكومة العراقية وهو في أوروبا، متمتعاً براتب الإعانة الاجتماعية لكبار السن، ويرفض الاحالة على التقاعد في العراق بالرغم من اقترابه من سن السبعين، كي لا ينقص مبلغ راتبه، ويفرض نفسه المريضة كموزع صكوك الوطنية بين المثقفين بعد أن انكشف خواؤه الشعري”.
وبالعودة إلى منشور جليل حيدر، فهو بعيد عن الواقع، اذ لم تمنع الموسيقى في مهرجان بابل، ومشاركة عازف العود أحمد مختار أنصع دليل، وكذلك حضور فرق موسيقية من الخارج والأوركسترا السيمفونية هي أدلة إضافية تفند كلام حيدر، كما إن المهرجان ثقافي بحت وفعالياته لا تنحصر في الموسيقى والغناء فقط!
يبدو ان هذا النوع من الخطاب التخويني والتحريضي أيضاً، هو محاولة من شعراء للفت الانتباه إليهم وتقمص أدوار الأبطال الثوريين. انهم يستنكرون زيارة الشعراء المغتربين إلى وطنهم، ولم يستنكر أحدهم على نفسه المشاركة في المهرجانات التي نظمها النظام السابق، كما لم يستنكر الشاعر الآخر تردده على بغداد لتسلم المنح التشجيعية والرواتب من الحكومة العراقية الحالية- برغم أن ذلك حقه لكن من دون أن يدعي على غيره. هذه الازدواجية في الخطاب ومن ثم التحدث بمنطق أقرب إلى الطائفية من أي شيء آخر، تدعونا إلى إعادة النظر بكلّ الأسماء الشعرية التي وجدناها في مراتب الريادة والحداثة في الشعر العراقي. للأسف، إن الطائفية أصبحت ظاهرة حتى داخل الوسط الثقافي، في الوقت الذي يعول فيه المجتمع على المثقفين ولا سيما الأسماء المعروفة، أن تدعو إلى الوطنية ولكن الذي يحصل اليوم هو ان المثقف أصبح أداة فعالة للانقسام الطائفي والمجتمعي، لكن الإعمام خاطئ بلا شك، فأمامنا أسماء شعرية وأدبية محترمة تقيم خارج العراق، لا تتبنى شعارات غير صادقة في جوهرها، تحس كأنهم في قلب المحنة الحالية بحرقتهم على وطنهم، وهم قائمة طويلة تبدأ بشاكر لعيبي ولا تنتهي بهاتف جنابي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة