المدعيات لتفتيت المجتمعات “محمد نعناع”

يعقد المناطقة والفلاسفة فصولا مطولة في مبانيهم الاستقرائية والاستدلالية لتأكيد ان الحكم الذي طبقوه على قطعة من الحديد كمعدن يشمل جميع القطع الاخرى التي لم يخضعوها للاختبار ، ويعترض بعضهم على بعض بالقول من جوز لكم اطلاق احكام على مواد لم تختبروها على انها تخضع لقاعدة المشابهة ؟ ومن الذي دفعكم لتأكيد دعواكم بأن الحكم الجزئي ينتقل الى قانون كلي بعد تطبيق الاستقراء الناقص؟ من الذي قال بعد اختبار العدد الاقل من قطع الحديد في الكون بأنها جميعا تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة ، برغم ان هذا الحكم من الناحية العملية والعلمية مقبول ومنطقي ويقع تحت عنوان الاستقراء الناقص الذي ينقل الحكم من الجزئي الى الكلي بدلالة النوع والخواص ، محل الشاهد هو عدم القبول بسهولة بالاعمام واطلاق الاحكام من دون تمحيص الادلة حتى مع وجود الشياع الذي قد يبدو حجة ملزمة عند البعض ، وهذا النمط من التفكير هو السبيل الوحيد لانقاذ المجتمعات من تضارب المدعيات ، فدعوى التكفير للاخر التي نسجت بناءً على جهل مركب خرجت من هذا الكيس الملغوم بالكراهية والتعميمات غير العلمية ، على هذا الاساس كفروا مجتمعات بكاملها غير مكترثين لاعداد الضحايا ، غير آبهين لظروف كل فرد من افراد هذه المجتمعات وطبيعة ولادته طفلا صغيراً ونموه وتربيته وبيئته والعادات والتقاليد التي ترعرع في ظلها ، تلك الدعوى التكفيرية التي بنيت على اسس من الحقد والعدوانية الايديولوجية المغذاة بدوافع سياسية والمحببة لمزاجات شخصية ما كانت لتنتشر بوجود عقول مفكرة تتحرك في ظل الدليل وقلوب مطمئنة تركن الى السلم والوئام والمودة ، هذه المدعيات الباطلة التي فارقت الدليل وغادرت منطق الحجة هي الداء الظاهر والباطن ، وهي السم الشاخص والكامن ، وبالنكوص عن الرد عليها لا يمكن تطبيب المجتمعات بعد اصابتها ، ولا يمكن ترسيخ الاخلاق والثقة بعد انتزاعها ، والسبيل الموصل الى المكافحة لهذه المدعيات والطريق الواضح لتنظيف المجتمعات هو رد هذه الافة بتهديم اصولها ، والوقوف بوجه دعاتها بسلاح الدليل القاطع والحجة البالغة الشاخصان في القرآن والسنة والمحببان للعقل والفطرة ، فهؤلاء التعميميون والاطلاقيون والنمطيون المدعون للعلم الكلي غابت عنهم قراءة الجزئيات والتفاصيل والحيثيات التي تتميز بها المجتمعات وتحولوا الى اغراب عنها ولا يعرفون كيفية التعامل معها لانهم سجنوا انفسهم في سجن التاريخ المشوه ، فحكموا على انفسهم بالنفي وعلى غيرهم بالقتل والتنكيل ، وللموضوعيين والعقلاء والمفكرين معهم معركة الدليل والمنصور فيها من ينقذ الناس من التيه والتضليل.
د.محمد نعناع

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة