حتى لو كانت مسيّسة..! “عامر القيسي”

التظاهرات التي شهدتها بعض محافظات الجنوب والفرات الاوسط احتجاجا على سوء الخدمات خصوصا نقص الطاقة الكهربائية ، جرى اتهامها من قبل بعض الاوساط السياسية المناوئة للمالكي ومن داخل بيت التحالف الوطني نفسه، بانها تظاهرات مسيّسة والهدف منها احراج رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي ولتكن الصورة بين رئيسين أو عهدين ان «مافي حد احسن من حد» كما يقول الاخوة المصريون ،وصولا للهدف الاهم وهو افشال حكومة العبادي واسقاطها ، وهي الاتهامات نفسها التي وجهت الى احتجاجات وتظاهرات الخامس والعشرين من شباط 2011 والتي وصفها مؤيدو المالكي بانها مسيسة وبعثية وتارة شيوعية واخرى امبريالية تهدف الى اسقاط حكومة المالكي .. وجرت تظاهرات «الطرفين» تحت شعارات مطلبية ومكافحة الفساد المالي ونحت في بعضها الى شعارات سياسية.
الحقيقة ان التظاهرات الشعبية من الطرفين لم تؤد ، لا الى اسقاط المالكي الذي ازيح بحسب اتفاقات سياسية محلية وايراني- اميركية، ولن تودي الحالية الى اسقاط العبادي ، فالعملية السياسية محكومة الآن بقوانين هي غير قوانين رغبات الجماهير،فلم نصل بعد الى مستوى احتجاجات جماهيرية تطيح بالحكومات الفاشلة!!
لكن الاهم من هذا ، في ظل الوضع العراقي الحالي وصراعاته التي تقوم في مساحة مهمة منها على الايقاع الطائفي، هو ان التظاهرات المطلبية هي اقوى الادوات ، لو استعملت بنحو صحيح، في محاربة الطائفية في البلاد على المستويات السياسية والاجتماعية معا ، وهي اقوى تاثيرا من الشعارات البرّاقة عن محاربة الطائفية التي يرفعها الجميع امامنا ويمارسون عكسها في الغرف المظلمة والسياسات الخاطئة ، وهي القادرة على ان توّحد الشيعي والسني والمسيحي والآيزيدي والصابئي ، العربي والكردي والتركماني ، تحت شعارات مصالح الجماهير الحقيقية ، فالتظاهر من اجل تحسين الطاقة الكهربائية ، ليس تظاهرا طائفيا لان شعاره يجمع الجميع ، والامر نفسه يسري على نقص بل وانعدام الخدمات في جميع محافظات البلاد ، باستثناء اقليم كردستان، وهي تظاهرات تعزز الوحدة الوطنية وتقارب التوجهات والاراء وتخلق جوا شعبيا مناهضا للطائفية السياسية والاجتماعية وان لم تكن شعاراتها بهذه العناوين ..
ومن المؤسف ان الاجهزة الامنية في كلا العهدين تعاملت وتتعامل مع هذا النوع من النشاطات الشعبية على انها نشاطات مسيسة بالدرجة الاولى وربما تكون امبريالية ومن صناعة الصهيونية العالمية ، وليس من صناعة الواقع المتردي الذي تعيشه الجماهير، لذلك تم استعمال العنف ضدها تحت نصب الحرية بزمن المالكي بما في ذلك استعمال طائرات الهليكوبتر ! والحال نفسه شهدناه في تعامل الاجهزة الامنية مع متظاهري واسط بما في ذلك الاعتداء على الصحفيين الذين كانوا يغطّون التظاهرة باعتراف مجلس محافظة واسط الذي قال في بيان له «نشجب ونرفض بشدة لما جرى من اعتداء وضرب لعدد من الصحفيين من أبناء المحافظة وهم يؤدون عملهم في تغطية تظاهرة موظفي عقود البلدية»!
ان الاحزاب السياسية غير المطوئفة ، من واجبها بل ومن برامجها تبني مطالب الجماهير من خلال التظاهرات السلمية ، وهي مطالب عادلة ومشروعة تتعلق في الغالب الاعم بالخدمات من كهرباء وماء وتربية وصحة ومحاربة الفساد المالي ، وهذه التبنيات والتظاهرات سيوف قوية بيد من يريد ان يكافح الطائفية في البلاد ، لانها بكل بساطة توحد الجميع تحت راية المصالح المشتركة ..
التظاهرات وان كانت سياسية فان على حكومة العبادي ان لاتتعامل معها بالعنف كما حصل في محافظة واسط ، لان التظاهر حق مكفول دستوريا ، والنظر اليه بوصفه نشاطا مالكيا اعادة لخطأ المالكي نفسه من ان الاحتجاجات على اداء حكومته كانت بعثية ..
الطريق السليم لكسب قلوب وعقول الجماهير ،هو ان تتبنى الحكومة نفسها مطالبها وتعمل على تحقيقها، وعندها سينقلب السحر على الساحر، وتتحول الاحتجاجات من « مؤامرة» امبريالية الى دعم حقيقي لتوجهات حكومة لتوفير الخدمات وفي مكافحة الفساد المالي والطائفية معا .. واللبيب من الاشارة يفهم !!
عامر القيسي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة