أرداش فناناً وشاعراً

يستعيد الكاتب والمترجم عدنان المبارك بعضاً من سيرة صديقه الشاعر والفنان الراحل أرداش كاكافيان، في كتابة تقرب القارئ من روح هذا المبدع وتقدم نصوصه الشعرية، مثلما تضيء جوانب من اشتغالته في التشكيل.

عدنان المبارك

مرت، قبل أشهر، الذكرى الخامسة عشرة على رحيل واحد من أعز الأصدقاء: أرداش كاكافيان.
طوال هذه الأعوام تحتدم فيّ الرغبة كي أقوم بتوثيق أعماله والكتابة عنها أكاديمياً. إلا أن العقبات كثيرة هنا بل هي كأداء حقاً وتلجم حماستي.
ففي أرشيفي المتواضع لاشيء غير بضع كاتولوغات لمعارضه وصور فوتوغرافية له وأخرى لنا. هناك بضع قصاصات من الصحف التي كتبت عنه وأجرت حوارات معه. عدا ذلك لا أساس متيناً للبدء في البحث.
أملي الأول والأخير أن أعود الى بغداد حيث تتوفر فرص ثمينة. وفي سنة رحيله كنت قد كتبت نصاً صغيراً عنه كما قمت بنشر قصائده التي كنا قد أعددناها، معاً، للنشر.
وهي لم تكن كل نتاجه في هذا الحقل من الإبداع والذي إجتازه بثقة كبيرة أيضاً.
ليس بوسعي الآن أن أضيف الكثير الى ما كتبته عن أرداش بعيد رحيله. فالذاكرة تواصل خياناتها، والكثيرون من أصدقائنا المشتركين رحلوا أيضاً وأخذوا معهم كل الذكريات مع أرداش.

أرداش كاكافيان (1940 – 2000 )
الطفل الذي أراد فكّ سر الوجود
عرفتُ أرداش منذ سني البلوغ. كان واضحاً أنه يفوق سنه في المنطقتين الذهنية والحسّية. كان يلتهم الكتب، في الخمسينيات، بشراهة الكاتب المحترف. يطلب مني أن أصحح إلقاءه لأشعار إليوت وباوند والسيّاب وغيرهم.
فالعربية كانت لغته الثانية بالرغم من أن طرحه للأفكار والمشاعر بها يبدو متقناً ودقيقاً.
وكان يرد على السؤال: إنه الحدس! وفيما بعد كتب أشعاراً جميلة أعددناها للنشر في الثمانينيات لكن جذبته كالعادة، خطط ومشاريع أخرى.
كان يكتب إليّ رسائل من طراز غير مألوف ذكرني بمسودات دوستويفسكي عندما كان يكتب (الأبالسة) خاصة. ففيها أشعاره وتخطيطاته وأقوال للكتاب والفلاسفة الأقرب منا. والآن بعد رحيله يشتد تأنيب الضمير. فقد افترقت عن هذه التركة الباهرة التي بقيت في مكان آخر.
لا أريد هنا أن أطرق باب البيوغرافيا. فللسيرة مطبّاتها وأوهامها المزمنة، بل الكلام عن فنان من طراز غير مألوف عندنا. كان هاجسه الدائم أن لا ينسى ماضيه وطفولته وكل أشياء بلده العراق. ولم تكن المسألة تخصّ ذلك التوق التقليدي أو الإنغلاق في طقوس وعادات وماض إلخ. بل كان يقينه أن الفضاء الحيوي والأوكسجين هما هناك.
لم تكن ثقافة أرداش (ببغاوية) أو من النوع الذي يحلّ محل (منديل جيب الصدر) كما نقول في العراق.
كان يعيش، بإستمرارية مدهشة، ما كان قد إنفعل معه من تجارب وغيرها قبل أعوام طويلة. وكانت هناك ذائقته وإختياراته الفنية الصائبة – من الأوبرا الى الغناء الشعبي (تذكرتُ إستماعنا لأبوذيات صديقنا مظفر النوّاب)…
أما أرداش الفنان التشكيلي فكان يسير الى النهاية على دربه الذي قد نسميه مع قدر كبير من التبسيط: التعبيرية.
إلا أنها كانت تعبيرية في تحوّل دؤوب. سحرته في البدء أسماء ومدارس معينة: مونخ، غوغان، المصري محمود سعيد، التراث، كبار المدرسة المكسيكية. وبعدها جاء دورالمدارس الغربية. إلا أنه كان يتناولها عبر هذا الموشور أو ذاك. كان التأثير السوريالي واضحاً في أعماله من السبعينيات والثمانينيات مثلا ً، لكنها لم تكن مختومة بهذا الأسم المعروف وذاك. فقد كان يقترب، بالأحرى، من بناء السوريالية الفلسفي حسب. ولم يقتف أبداً خطوات كبارها.
من ناحية أخرى لم يرد أرداش أن يواصل دهشة الإكتشاف لدى جواد سليم عندما فتح صندوق التراث بشقيه الشعبي والآخر.
إلا أن تجربة فناننا الكبير دخلت، بصورة طبيعية، بوتقة أرداش ومن ثم جاءت بتفاعلاتها غير المباشرة. ولابد من القول إن أرداش لم يبدِ ذلك الضعف أي الأخذ بتقليعات معينة قوامها افتعال التلاحم مع التراث.
وما يحزنني حقاً أنني لا أعرف أعماله من التسعينيات الا أنني على يقين بأنه كان باقياً في مشغله القديم.
كان أرداش طفلاً كبيراً أعطوه خامات وها أنه قد صنع منها أشياء مدهشة وهو أمر أكيد أن تكوينه الفكري والثقافي، والأدبي خاصة، ألقى بكامل ثقله على مساره التشكيلي.
ومرة إتفق معي بأن في أعماله، الغرافيكية خاصة، تأثيراً واضحا للفن السابع (حركة الكاميرا والمونتاج) الذي كان شغوفاً به (تذكرتُ “رحلتنا” الطويلة عبر باريس كي نشاهد في آخر الليل في دار للسينما في الضواحي فلم كوروساوا “ديرسو أوزالا ” …).
كانت دراسته للعمارة قد قادت يده، كمصّور، فيما يخصّ التشييد والإنتباه الى كل أشياء المكان. ومرة أطلعني على دراسة كرّسها لحسن فهمي وكانت من المفاجآت، وهذه كان مغرماً بها طيلة حياته. لقد وجد في المصري فناناً حكيماً حرص على أن لا يضيع بعض كنوز أرضه.
وقدر علمي نشرت هذه الدراسة في مجلة (فنون عربية) التي كان يشرف عليها صديقنا الراحل بلند الحيدري.
كانت اللغة العربية عند أرداش مثل معشوقة جامحة فقد الحيل المطلوب لكشف كل أسرارها بل حتى الإنقياد الى نزواتها.
واليوم أنا لست بقادر على تخطي أبسط حواجز الذاكرة التي هي عندي من أكبر الخونة، وإلا لتذكرت ولو مقطعاً صغيراً من قصائده العجيبة التي مارس فيها عمليتين: كشف السرّ ودفعه أعمق في متاهات لم يكتشف العلم إلا بعضها ! ولعل أكبر سرّ كان لدى أرداش هو سرّ الوجود وغرابته. وكان يأسف على أن السوريالية لم تطوّرعمل مختبراتها.
وفي الخمسينيات كنا نقرأ ألبير كامي الذي بدا حينها كأنه هبط من كوكب آخر فيه كائنات زوّدت بجهاز عصبي ودماغ آخرين بل بدستور أخلاقي أكثر جوهرية من الدساتير الشائعة.
كذلك كنا نتحدث عن الفرنسي الآخر بول سيزان الذي هبط الى كوكبنا بعينه التي إلتقطت الطبيعة، كما لو أنها ذات شبكية عين كائن آخر من الكون (وهذا تشبيه يعود الى ميرلو- بونتي).
إلا أن أرداش كانت تتعبه تساؤلات العلم. كذلك لم يرد، غرزياً، أن يترك العالم الحسّي وتلقفه المباشر إذ لابد للإنسان أن يملك ما يتحسّس به طريقه في هذا الظلام … كان أرداش على يقين بأن الفن عمل لا علاقة له بالنشاط العقلي.
فليس بمكنة العقل أن يستوعب الواقع أو أن يفسّره. فالأشياء لايمكن إدراكها كما هي بل نحن ندرك بعض نماذجها التي إعتدنا عليها كما يقول برغسون.
كان أرداش متحمساً لإختيار فلسفة هربرت ريد فيما يتعلق بالدراسة الأكاديمية. فقد كان مأخوذاً بفلسفته الفنية والإستيتيكية، أي فكرة لاعقلانية الفن والتي يكون أساسها الحدس والغريزة وتلك القوة الحيوية في الإنسان أي كل ما يشكل وعيه الجمالي الأول. وكان ما إنشدّ إليه أرداش أكثر من غيره لدى هذا الفيلسوف والشاعر والناقد الانجليزي الكبير هو مفهوم التركيب أي تركيب ما أسماه ريد بالعالم الحسّي للحقيقة الموضوعية والآخر الإجتماعي للكينونة الإقتصادية الفعّالة من ناحية وعالم الفنتازيا الذاتية من الناحية الأخرى.
وبالفعل إنتقل أرداش من مرحلة ذلك التلقّف الحسّي للعالم (أعماله المبكرة بنحو خاص) الى مرحلة التركيب تلك. وفي الواقع كانت المشكلة الأكثر جوهرية لدى أرداش هي الإسكات الأقصى لـ(أدبية) التشكيل.
والأداة هي التكرّس لتقنيات اللون والخط وغيرهما. وكان مغرماً بشاغال بالرغم من إنتباهه الى طغيان العنصرالحكائي في أعمال الروسي. كان مدركاً للمستحيل في التشكيل:
التخلص التام من كل ماهو غير تشكيلي.
والهاجس عنده كان يقوده الى نصيحة كاندنسكي فيما يخصّ التمييز بين العمل الناقص تشكيلياً والآخرالمقترب من (جوهر) التشكيل: لنصّور فوتوغرافياً اللوحة باللونين الأسود والأبيض فقط، حينها نعرف قيمتها التشكيلية وهل هي تتكيء على قيم أخرى أم لا.
لم يمل أرداش الى التجريدية الهندسية بنحو خاص برغم وعيه العميق بجبروت فلسفة التجريد، ولأن كل شيء في الفن الحديث علاقات غير مباشرة. وكما يتساءل ريد فهل هناك علاقة ظاهرية بين لوحتي (المسيح الأصفر) لغوغان و (بووغي ووغي) لموندريان مثلا؟
وفي الثمانينيات إكتشف أرداش، من جديد، الفن الياباني الذي كان قد علم الغرب، حينها، بأنه قد تكون للفن مهمة أخرى غير إعادة خلق المظهر الواقعي، كأن تكون تنفيذ شيء آخر بعيد مثل بعد الصورة الحقيقية للعالم. وأحب أرداش تكرار كلمة غوغان عن وجوب البحث في التصوير عن الإيحاء وليس الوصف. وما أذكره أيضاً أنه لم يمل، وكان على صواب، الى إدعاء شاغال بأنه قاد الى خلق وحدة لاتنفصم بين الشعر والتصوير.
بالرغم من إنسحاره الطفولي بالميراث والحياة الشعبية يصعب القول إن في فن أرداش تأثيرات مباشرة لفنون الخط أو الواسطي أو الرقش أو غيره.
ولا أجد هنا إلا تفسيراً واحداً وهو أن التأثير لم يكن بالمباشر. ففي أعماله الغرافيكية، من الثمانينيات مثلاً، نلمس عناية خاصة بالزخرفة لكنه يصعب تحديد هويتها. وتخص الحال أيضاً التكوينات والشخوص التي قد تذكرنا، بصورة ما، بتلك الدهشة الدائمة عند شخوص الواسطي أو تلك العيون من سومر. الا أن هذا كله لا ينفي وجود أصول أخرى أيضاً.
وكنا قد إعتدنا على القول عند الإفتراق: الى اللقاء على مستوى من مستويات الواقع.. ولا أعرف كم هو عدد هذه المستويات وعلى أيّ منها سأعثر على هذا الصديق والفنان الذي نفّذوا وصيته الأخيرة : أن يذرّ رماده في نهر دجلة…

صوت أرداش الشعري (من قصائده)
1

الناس أنواع
كالبضائع في السوق،
الروح واحدة

لتهب الريح
ليتفتح البرعم
ليأخذنا الحصان
الى الحقول.

2
قلبي مسّه السكون
قبل الأوان
قلبي
دودة قزّ
كانت في شرنقتها
قبل الأوان

في بياض
قلبي الصغير
دفنت كل ما ملكته،
أنزل اليه
مع الغروب
لأعيش مع
ماجمعته
وثروتي
حياتي التي عشتها
عبر نفسي.

3
دوائر القمر
أسلاك شائكة
أخيط بها
أنسجة قلبي
وأفتح بها
مجاري دمي
أسلاكي الشائكة
عنابر من الضوء
لمنتصر بلا قوة.

4
ضبابة
تسحب النخيل
وقلوبنا السمر
عامت على الأمواج
..
..
البرعم حب
للنخيل
كذكرى أسماك
سود
أعطيت للطيور
الموجة تقول سرّ أغانيها
للغريب في السفينة

5
في بلدتنا،
سواد الأشباح
يملأ الطرق،
في بلدتنا،
يختلط الزفت
بشعاع الشمس.
..
الأقمار تمرّ
في الغربة
حيث الأصدقاء
لم يبق منهم
غير الذكريات.

6
في ظل إنتظاري
وجدتُ الباب وحشاً
منحوتاً من الضباب
في ظل إنتظاري
تركت الضوء يتسلل
الى سلالم الإنتحار.

وبعد الشروق
وضعتُ قلبي في البريد،
وخنتكِ آلاف المرات
ورسمتُ اللبوءة الجريحة
من الأساطير يا حبيبتي

7
في ساعات الشمس
ضحكاتنا كانت
حواراً للأرض.
كنا نحترق
مع ظلالنا،
نحترق
كطيور مغتربة،
مرّات ومرّات
كنا نجوب الآفاق
بحثاً عن الفجر.
كنت أقول
رحيلنا
ليس الا فراغاً.

كنا ثواراً
في أرض تحرقها الشمس
كنا نحترق
مع الأزهار،
عبثاً.

8
أنا الذي إختفى
في الضباب
كالأسماك في المياه
كأيّ دون كيشوت مخلص
باحثاً عن كل شيء
نهائي وحقيقي معاً
والغريب يا حماري العزيز
أدركُ أنني
سأفقد الحياة
في النهاية.

9
في السطح
صنعتُ من النخيل
أفقاً لك،
وكنت أحبّ الناس
لسلالم المشرب،
كانوا
يقولون
وصل المدمن
وكنت أجيبهم
صديق القمر.

10
في دهاليز بيته، كان يقرأ الأشعار لنفسه،
ومع الظلام كان يخرج مع كلبه ويرحل
الى بستانه.
عاش هكذا من 810 الى 910 .
وفي أواخر أيامه تذكر أنه
قد أهمل زبّه.
..
الرحلات
الحزينات
نجمة خضراء
تحمل في سطحها قنديلاً
مسّته
أصابع أدونيس
قبل موته.

11
فؤادي
فتحه الحرير
مرت عليه دودة القزّ
بلا إنتباه
فؤادي حاور كل شيء عزيز
ومرّت دودة القزّ
بلا إنتباه.

12
رجعنا الى صحرائنا.
رمالها كانت
بلون آخر
..
تخرجين من ظلك أحياناً
وتأتين اليّ من بعيد
كسفينة عارية
أسمع وقع أقدامك
والصمت.
..
لا تلمسي جرحي
السرير
طائر وحيد
يحمل ذكريات كل شيء.

13
كنت أحلم لو أن شيئاً
سيحدث بعد مجيئي كنت أحلم لو أن شيئاً
قد حدث بعد رحيلي.
رأيتك عندما رحلت..
رأيتك عندما عبرت الشارع،
رأيتك عندما إبتعدتِ
ورأيتُ وجهاً جنب الجسر ورأيتك في المقهى ورأيتك عارياً في الشارع
رأيتك في حلمي أنا الذي لم أحلم.

14
بالأمس قبل رحيله قلت له لا أريد السلام مع نفسي.

في ليالي السهاد
يزورني صديقي الطائر،
نتغلف في الهواء
كشخص رمبراندت
ونرحل مع كمان غجري.

بالأمس زارني صديقي الطائر
ورحلت مع كمان غجري.

15
كنت وحيداً
عبرت الحائط
وخطوت بضعة أمتار
ووقفت أمام قبري.
كان القمر هادئاً
وكنت أداعبه.
..
في روحي كانت آلاف السواقي
تحمل سفناًً من ورق
سفناً تحمل أسماء
أطفالٍ.
لكنني لم أحفر قبرى (بدت لي الصورة مضحكة) .

16
لو فتحت النافذة
ولو أغلقت الباب،
ولوخرجت
لتسقي الحديقة،
ستظلين في ذاكرتي
طيراً أبيض بشفاه عريضة
وسأنزل من ضبابي،
كل صباح
لأمتص رحيقك
ثم أطير، حاضناً ضبابي

17
عبرت الشارع، فاخترقت قلبي،
إخترقت قلبي كسهم آشوري.
أمضيت أمسياتي
جنب النهر ودعتها مراراً..
وبالأمس كان النهر يطفح
وجدت
شباك بيتي
يطفح أيضاً.



رجعت الى داري
وشباك بيتك
كان يطفح
..
..
..
أي فراغ هذا ياحبيبتي.
تطاردني
في بيتي، في الشارع
كل الألوان
أحمل قلبي في يدي أسحب دخان غليوني،
وأسير.
خذوه، خذوه
من يريد هذا القلب
خذوه
من يريد هذا القلب
يا حبيبتي.

18
بعد أن سقيتُ الزهور
وسكنتْ الطيور
إختفى الأقرباء والخدم .
كان وحده
مع ظلّه
يأكله
البساط بألوانه،
حيث الشرق
كان حينذاك في عالم غيبي
تطرزه جثث العصافير.
..
إكتشف السندباد في نفسه
ثقل الرمال على صدره
كان وحيداً في مركبه
يأكله البساط الشرقي..

دروس الشارع ومعادلة المبدع
كان أرداش قد كتب عشرات القصائد التي لا أعرف مصيرها. وهذه القصائد أعلاه عثرت عليها بين أوراقي. وأرجو أن يستجيب كل من عرف أرداش الى رغبتي، ورغبة صديقه الفنان المصري أحمد مرسي في جمع ما أنجزه أرداش في شتى مجالات الإبداع وما كتب عنه أيضاً. فقد كان أرداش مصوراً وغرافيكياً ومعمارياً وشاعراً أيضاً. و بمناسبة نشر هذه القصائد أرغب التذكير، مرة أخرى، بما كان يميزه كفنان تشكيلي يصعب فصل الفعل الشعري عن مخيلته التشكيلية: إذا كان الفن وسيلة معيّنة للتقديم والطرح فهي وسيلة غير مشروطة وتخلق بنيتها ذاتياً. وفهم عمانوئيل كانت تعددية المعنى في الفن بأن طبيعة الشيء فيه تدفع الى إستعمال الأشارات التي يصعب تحديد ماهيتها والترابطات القائمة بينها.
وعامة بدأ الفن بخلق الصور و ليس إطلاق الأحكام. وكما يقول أرنست كاسيرير فأوائل الأمم لجأت في عملية التفكير الى الصور الشعرية (وهذا منحى القصائد أعلاه) وليس المفاهيم ideas ، وعبرت عن ذاتها بالحكايات الأسطورية والكتابة الصورية (الهيروغليفية) أي أن (النوعيات الميتافيزيقية) هي التي تهب الحياة قيمة المعاناة. وهذه تشرّع معنى الوجود.
ونلمس هذا البعد الميتافيزيقيي في عملية الخلق الفني بكل وضوحه في أعمال أرداش وحتى في أعماله المبكرة التي كشف فيها عن إلتصاق وإنبهار شديدين بـ ( العالم الشعبي).
وكما جاء في موسوعة لاروس فهذا الفنان من نهاية القرن العشرين ظل شرقياً بعد شد وجذب سريعين مع التشكيل الغربي.
وبقي الشارع العراقي معلمه. وهذا حكم طرحه جواد سليم على فن أرداش عندما أقام معرضه الشخصي الأول في الخمسينيات. وقد علمته دروس الشارع تناول موضوع الإنسان بأبعاد شتى. فأرداش يجعلنا نكتشف غرابة الوجود، كما قال ألبيركامي، في منعطف شارع.
والناظر الى لوحاته يدرك بنحو أفضل ما المقصود بتلك النوعيات الميتافيزيقية التي إنعكست من خلال طرح مباشر جاء بعد عملية تمثل تام، لإشارات ورموز وبنى فيزيقية منحدرة من شتى الثقافات، وكانت نتاجاً لبوتقة لا يعرف عملها بالتحديد.
فأرداش كان يتفادى الدروب المطروقة للسوريالية الشائعة و(الأثنوغرافيا) المباشرة في الوقت ذاته. وكان يركز على هاجسه : تحقيق التوازن بين الغنائي والتعبيري والفنتازي – الفلسفي. وسكة الإبداع هذه كان أرداش يمدها في أرض خرافية مسحورة يجهد في إكتشافها ذلك الإنسان الذي تدهشه، مثل طفل صغير، ألغاز الوجود.
وهذه المواجهة الأبدية بين أوديب وأبي الهول يكون مسرحها تلك المساحات الكبيرة التي تبدو، شأن الطبيعة، غير مكترثة لهذه الدراما التي تتصاعد وتنعقد غيومها السود… وفي الأخير حقق أرداش ما أراده : العثور على معادلته الشرقية في الصياغات التشكيلية قبل كل شيء.

بيبلوغرافيا
* ولد الفنان أرداش كاكافيان العام 1941 في الموصل لعائلة أرمنية لجأت للعراق هرباً من مجازر الأرمن في تركيا أوائل القرن الماضي.
* انضم إلى جماعة بغداد للفن الحديث منتصف الخمسينيات.
* سافر إلى باريس لدراسة الهندسة ومن ثم الفن العام 1961.
* أقام أول معرض شخصي في صالة «الرياح الأربع» في باريس العام 1967.
*أقام عدداً من المعارض الشخصية في عدة دول أوروبية.
* نال الجائزة الأولى لصالون الخريف، وكذلك جائزة (دوم) العالمية المعروفة العام 1971.
* ورد اسمه في موسوعة (لاروس) الفرنسية العام 1975.
* اشتهرت عروضه ومعارضه الفنية في أميركا واليابان والهند خلال الثمانينيات.
* عمل مدرساً في معهد الفنون الجميلة (رول مالميز) في باريس.
* عضو جمعية نقابة الفنانين وجمعية التشكيليين العراقية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة