واقعة الرمادي وهزالة التصدي للإرهاب

فرات المحسن *

منذ احتلال مدن الموصل وصلاح الدين وقبلهما الانبار، يعتمد الإرهاب المتمثل بأذرع البعث الفاشي من دواعش وجيش الرحمن والنقشبندية والمجلس العسكري وجيش محمد وغيرهم، على طريقة ذكية تتمثل باستدراج الجيش العراقي لمعارك في محاور عديدة مختلفة ومتباعدة يتم خلالها استنزاف قواه وعديده. ودائما ما تكون القسوة و القوة المفرطة التي يستعملها الإرهاب، مقدمة حاسمة لخلخلة مواقع وعزائم القطعات العسكرية. و بات بحكم التقليد أن يبدأ الإرهاب هجماته بسيارات مفخخة يعقبها هجوم بانتحاريين ومن ثم أعداد ليست بالكثيرة من الرجال المدربين جيدا على حرب العصابات.
في أغلب المعارك ظهر جلياً إن التنظيمات الإرهابية كانت لها معرفة مسبقة وجيدة بمكامن ضعف وقوة وحدات الجيش العراقي، ولديها معلومات يقينية بأعداد الوحدات العسكرية النظامية والشرطة الاتحادية، وعن قدراتها واستعداداتها الحربية وتجهيزاتها القتالية. وعلى وفق تلك المعلومات نجدها تختار الزمان والمكان المناسبين لبدأ صولة الهجوم، ودائماً ما نجدها تختار في هذا الآمر، المناطق الرخوة في تلك التشكيلات.ولم يأتِ ذلك اعتباطاً أو على وفق استطلاعات جانبية يقوم بها رجال تلك العصابات أنفسهم، وإنما تأتيهم المعلومة بدقة وحرفية من داخل الجيش وعبر ضباط لهم مراكز تأثير وقرار في قيادة الجيش وقوى الشرطة، يوفرون لقيادات الإرهاب بيانات وإحصائيات وخرائط وشروحاً لطبيعة قطعات الجيش وقوى الأمن، وأوضاعها السوقية وتحركاتها وأعدادها وأماكن تجحفلها.
وبحكم سيطرة العديد من هؤلاء العملاء على مراكز ومفاصل مهمة في الجيش وقوى الأمن الداخلي العراقية، باتت لهم قدرات ليست بالهينة، للتأثير في إدارة وسير المعارك، وتكيفها وجعلها تتخذ طابع ليس النصر الناجز لقوى الإرهاب، بقدر ما تكون مهمة تمهيدية تذهب في عمق استراتيجيه الإرهاب وأذرعه السياسية لتغير واقع العملية السياسية، ويتم ذلك عبر مهمة استنزاف رجال الجيش ومعداته، وصولا لهدف أكبر يتمثل بدفع الدولة العراقية نحو أقصى حالة الانكسار والتردي على جميع المستويات، وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والعسكري، لتسهل بعدها مهمة الانقضاض على السلطة وإعادة تركيب العملية السياسية.
يبدو أن السلطة بنحو أو أخر لا تتوفر لديها القدرة على حماية ظهرها ، لا بل ظهر بنحو مخزٍ ومذل، إن جميع مفاصلها وإداراتها مكشوفة ومترهلة، وهناك من يعمل من داخلها على مؤازرة الإرهاب ارتباطاً ودراية وتطوعاً أو لمنفعة شخصية أو فئوية وفي بعض الأحيان بسبب سذاجة وغفلة وانعدام المهنية والخبرة.
تمثل حركة القطعات العسكرية وتحشدها احد أهم صفحات إدارة المعارك، وهي في السياق العام تكون ضمن مهام القيادات الميدانية وتصوراتها وحساباتها عن طبيعة المعارك وكيفية إدارتها بالعدد الكافي من الوحدات والمعدات، وليس لمكاتب القيادة العليا غير الأخذ بما يرد لها من تقارير ومعلومات من القيادات الميدانية . وعلى وفق تلك التقارير تصدر مكاتب القيادة أوامرها بتحريك القطعات أو تزويدها بالعتاد والآليات. عبر هذه القاعدة والآلية يتم التلاعب بالقوات العسكرية والشرطة، ووضع ترتيبات تسهل على الإرهاب اختراق الوحدات العسكرية ومن ثم احتلال المواقع و المدن. وحسب الخطط التي يضعها هؤلاء المندسون في مفاصل القيادة، استطاعت قوى الإرهاب وفي مرات عديدة استدراج السلطة العراقية، وتوجيه ضربات موجعة لمؤسساتها، وظهرت السلطة في تلك الوقائع في أقصى حالات الهشاشة والسذاجة. وما زالت تتكرر تلك العمليات.
ظهر للعيان وبالذات منذ عملية هرب سجناء أبو غريب الذي أعقبه سقوط مدن الأنبار ثم تلاه سقوط الموصل وصلاح الدين ، بأن جميع هذه الوقائع كانت مؤشرات ودلالات بينة لخيانات بين أوساط القيادات العليا للجيش العراقي وقوى الأمن والشرطة. واليوم لن تكون واقعة الرمادي آخر عمليات الطعن والاستدراج والاستهزاء بالسلطة ومؤسساتها، وما يؤسف له أن يترافق هذا مع ضعف وانعدام قدرة القائد العام للقوات المسلحة على إحداث تغيير في هياكل قيادات الجيش وتنحية المشكوك في ولائهم من المتسببين في انهيار المعنويات وانكسار الوحدات العسكرية وهزيمتها، والأدهى من ذلك سيطرة الإرهاب على سلاح ومعدات وعتاد تلك القطعات. وسوف يبقى الجيش منخوراً ممزقاً لا يستطيع الصمود أمام داعش وغيرها من قوى الإرهاب، أن لم تجر له عملية قيصرية، تزال عبرها ومن شتى صنوفه جميع الدرنات العالقة بجسدها والمتمثلة بقيادات بعثية معروفة، أن لم تكن باقية تعمل على وفق أجندات حزب البعث، فأنها مسيرة وتخضع للتهديد والابتزاز اليومي لها ولعائلاتها من قبل حزب البعث واذرعه من المجاميع الإرهابية، وهذا ما يدفعها لتقديم الطاعة والولاء والمعلومة لتلك العصابات.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة