العبودية في مظاهرها المعاصرة

صادق الازرقي*

يتفق المفكرون وعلماء الاجتماع المعاصرون، على ان مفهوم العبودية لم يعد كما كان في السابق يخص الامبراطوريات القديمة، حين كان يجري استرقاق الناس وبيعهم كسلعة عبيداً، كما يشيرون الى ان مفهوم الاستعباد الذي ارتبط بأذهان الناس بصفته نتاجاً لاستغلال القوى الأجنبية للبلدان الفقيرة، ما عاد يصلح لتفسير أنماط العبودية المعاصرة، التي يقولون انه بات يجري فيها استرقاق الضحايا والاتجار بهم على يد «مواطنيهم»، وهم يضربون امثالاً من التاريخ المعاصر، على شاكلة ما حدث للسود في الولايات المتحدة الأميركية و ما مارسته منظمة «الكوكلوكس كلان» العنصرية ضد مواطنين اميركيين آخرين بسبب اختلاف لون بشرتهم.
وفي الحقيقة فان البلدان التي نشأت فيها أنماط العبودية الجديدة التي ترافقت مع الديمقراطية، سرعان ما تداركت امرها بسن القوانين الكفيلة بالحد من مظاهر العبودية، بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة امام القانون، واذا حدث ان برز أي مظهر جديد للعبودية فان التعامل المدروس معه على وفق الاعتبارات الانسانية سرعان ما يلجمه في مهده.
لقد اظهر مؤشر العبودية الصادر عن منظمة «ووك فري» ومقرها أستراليا، تواجد نحو 36 مليون شخص يواجهون حالياً أشكالاً من العبودية الحديثة.
والملفت ان ست دول عربية جاءت ضمن الدول الخمس عشرة الأولى، طبقًا لنسبة العبيد مقارنةً بعدد السكان، وكانت كالتالي ، موريتانيا نسبة العبيد فيها تصل إلى 4% من إجمالي السكان. قطر نسبة العبيد فيها 1,35% ، السودان نسبتهم تصل إلى 1,13%. سوريا نسبة العبيد فيها 1,13%. الإمارات العربية نسبة العبيد فيها تصل إلى 1,06%.
كما أورد المؤشر العراق ضمن الدول المذكورة في زيادة معدلات العبيد كما انه جاء سادس الدول العربية في الاستعباد بنسبة عبيد وصلت الى 1,04% من إجمالي السكان اذ يعيش نحو 346 ألف عراقي كعبيد. كما شملت العبودية أيضا السكان من مصر والأردن ولبنان و الجزائر و المغرب و جيبوتي و اليمن و تونس و ليبيا و إيران و الصومال و السعودية و البحرين و الكويت وسلطنة عمان، لكن بمعدلات اقل.
ويوضح التقرير أن تعريف العبودية بأشكالها الحديثة، يشمل «الاتجار بالبشر، والعمل بالسخرة، وعبودية الدين، والزواج القسري، أو الاستغلال الجنسي التجاري»، وبرأيي انه يمكن إضافة عمليات القتل الجماعي بوساطة التفجيرات والاغتيالات، التي تنفذها جهات متطرفة لتدخل في خانة عوامل الاستعباد والاسترقاق، اذ تجبر الناس على اتخاذ نمط معين في حياتهم من مظاهره الاستكانة والانزواء وعدم الفاعلية في الحياة الاجتماعية والسياسية.
وفي الحقيقة فان الاستعباد في الدول العربية والشرق أوسطية، قائم على قدم وساق وظاهر للعيان، حتى قبل ان تنشر المنظمة الاسترالية تقريرها؛ ويجري تكريس الاستعباد بدعاوى اجتماعية ودينية، واجبار الناس على أفعال لا تليق بالبشر ومن ذلك تزويج الأطفال والقاصرات واجبار الصغار على حمل السلاح تحت دعاوى غير منطقية، وغير مقبولة، كما تجري المتاجرة بالعلاقات الجنسية غير الاعتيادية وغير السوية والباسها مظهراً مقبولا بإحالتها الى مسوغات خارج تمثلها؛ ومن مظاهر العبودية أيضاً عدم تقبل الانسان الآخر اذا كانت ديانته مغايرة، برغم ان مصدر الخلق واحد على وفق ما جاءت به الديانات، كما يجري اجبار الفتيات على الزواج من اشخاص لا يرغبن فيهم، امتثالاً لأعراف قبلية غير إنسانية، ناهيك عن تواجد أفعال عبودية حقيقية مباشرة يباع ويشترى فيها الناس بصورة فعلية مثلما يحصل في موريتانيا.
ان المجتمعات العربية ومجتمعات الشرق الأوسط بها حاجة الى جهود جبارة لإلغاء مظاهر العبودية والاسترقاق؛ لأن تلك المظاهر تؤطر باطار ديني في محاولة لتمريرها على الناس وذلك مكمن خطورتها وصعوبة متابعتها والقضاء عليها، اذ يتوفر دائما الدعاة الدينيون الذين يحاولون الباس العبودية ثوب المقبولية والشرعية، مثلما حدث ويحدث في الموصل بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية وكذلك في جهات أخرى من العراق؛ واذا كانت الدول الأوروبية وفي اميركا قد افلحت في تجاوز مخاطر العبودية والاسترقاق لرسوخ نظامها الديمقراطي بعد الفصل الفعلي للسلطات الثلاث، وفصل الدين عن الدولة فاننا في الشرق نعاني كثيرا من تبعات الممارسات الاستعبادية والاسترقاقية بشتى صورها، والمشكلة ان الجهات التشريعية لدينا لم تطرح الى مجلس النواب أي قوانين يكون الناس بهم حاجة لها، تنمي فيهم ملكة التحرر وروح الانعتاق، بل انها دأبت في كل دورة تشريعية على التصويت على قوانين لا قيمة لها تتعلق باتفاقات هامشية مع دول أخرى، واهملت القوانين التي تخص الناس، بل انها سعت في اكثر من مرة الى محاولة عرقلة وإلغاء قوانين متنورة انتجها الفكر العراقي في عهود سابقة ومنها محاولة الغاء قانون الاحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 الذي يعد من اكثر التشريعات احتفاء بالأسرة والمرأة وترسيخاً للأداء الأمثل لدورهما الاجتماعي و منع الاسترقاق في العلاقات العاطفية والاجتماعية ، كما ان الجهات القضائية لدينا لا تفعل شيئاً فيما يتعلق بمجابهة اشكال العبودية اذا وقعت، ومن ذلك ما حدث مؤخراً حين جرى سوق النساء في جنوبي العراق «فصليات» بسبب نزاع عشائري، وهو نوع من المتاجرة بالبشر.
ان متابعة امر العبودية والاستعباد، لاسيما ان لدينا في العراق بحسب المؤشرات الدولية هذا الكم الهائل من العبيد والمستعبدين، الذي يزيد تكريسه استعباد الشعب عن طريق التهديد اليومي لحياته بأعمال القتل والتفجيرات ومحاربته في أرزاقه، يوجب على جميع الجهات المعنية بأشكالها الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية، ان تعمل لإقرار القوانين التي تحترم الانسان وتحتفي به وتوفر له العيش الرغيد الآمن الذي يؤمّن كرامته من دون ان يمد يده مستجدياً العطف من احد، يجب ان نفعّل القوانين العصرية التي تلجم العبودية والاسترقاق، فذلك هو السبيل الوحيد امامنا لبناء حياتنا والعيش بمجد.
* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة