ملاحظات حول الدستور العراقي الدائم

انطلاقاً من توجهات “الصباح الجديد” في أن تكون صفحاتها منبراً للأفكار الموضوعية المنتجة التي تسهم في دعم وتعزيز المسيرة الوطنية ، يسرنا ان نضيف في هذه المساحة الأستاذ الدكتور نديم الجابري أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد وعضو لجنة كتابة الدستور في سلسلة ملاحظات حول الدستور العراقي
الملاحظة الرابعة :
هناك معطيات عدة يمكن من خلالها الاستدلال على ملامح القصور الواضح في الدستور العراقي الدائم , منها :
اولا : التدخلات الخارجية وخصوصًا تدخلات الجانب الاميركي والتي يراها البعض ايجابية لأنها تعطي الخبرة الدستورية و تمرر الدستور في حين يراها اخرون سلبية لأنها تصادر الارادة العامة للشعب العراقي , و تضع عقبات مستقبلية في طريقه .
عموما يمكن القول ان التدخلات الاميركية كانت قد اتخذت صيغًا متعددة , منها :
1 – وضع الجانب الاميركي سقفًا زمنيًا ضاغطًا لعملية الانتهاء من كتابة الدستور الدائم حسب المادة ( 61 ) من قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية و التي سنته الادارة المدنية لقوات الاحتلال , و التي نصت على تكليف الجمعية الوطنية الانتقالية المنتخبة بكتابة الدستور و الانتهاء منه في 15 آب 2005 . و للتاريخ انتهينا من وضع اللمسات الاخيرة للدستور ليس داخل لجنة كتابة الدستور انما في اجتماع ضم قيادات الصف الاول من العملية السياسية و بعد انتهاء المدة القانونية بنحو نصف ساعة . حيث عقدت الجمعية الوطنية جلستها المخصصة للتصويت على الدستور في الساعة الثانية عشرة من ليلة 15 آب 2005 , و مسودة الدستور وصلت الى الجمعية نحو الساعة الثانية عشرة و النصف بعد منتصف الليل .
2 – فرض الجانب الاميركي الخيار الفدرالي مراعاة لمصالح اقليم كردستان في المادة الاولى من الدستور برغم انعدام الثقافة الفدرالية عند عرب العراق نخبًا و قواعد . حيث لم يتعاط الشعب العراقي و القوى السياسية العربية مع هذا المفهوم الجديد الوافد على الثقافة العراقية من الخارج باستثناء التعاطي الايجابي الكردي مع هذا الخيار . ان فرض هذا الخيار السياسي اثار جدلا و خلافًا عميقًا حول شكل الدولة العراقية لم ينته لحد الان .
3 – لم يسمح الجانب الامريكي باعتماد الخيار الثيوقراطي في العراق . و فرضت الخيار الديمقراطي برغم انه يتعارض مع اطروحات القوى الاسلامية الشمولية المهيمنة في حينه على العملية الدستورية . و قد بدا ذلك واضحًا في مواد دستورية متفرقة , منها ( المادة الثانية فقرة ب , و المادة السادسة ) . ان ذلك التدخل ربما يكون تدخلا ايجابيًا لكنه احدث شرخًا في مصداقية القوى الاسلامية الحاكمة , و جعلها تلعب في غير ارضها . لذلك اخفقت في التطبيق .
4 – فرض الجانب الاميركي اعتماد معيار المكونات الاجتماعية كأس للدولة العراقية حسب ( المادة 3 ) من الدستور بدلا من اعتماد معيار المواطنة , الامر الذي شكل اهم قصور في الدستور لأنه لا يتناسب مع الدولة العصرية الديمقراطية .
5 – فرض الجانب الاميركي قيودًا على أي حكومة عراقية و منعها من التعاطي مع الاسلحة النووية و الكيميائية و البيولوجية و كل ما يمت لذلك بصلة حسب ( المادة 9 فقرة هاء ) . و بذلك شلت القدرات العسكرية العراقية في عالم يتسابق حول تلك الاسلحة بما فيها دول من الشرق الاوسط .
6 – فرض الجانب الاميركي حرية العقيدة في الدستور حسب ( المادة 42 ) . اي ان الدستور كفل حرية الانتقال من ديانة الى ديانة اخرى . و هذا الحق ربما يؤثر على هوية العراق العربية الاسلامية مستقبلا .
7 – فرض الجانب الاميركي ما يعرف ب ( كوتا النساء ) 25 % من اعضاء مجلس النواب في سابقة غير معهودة في النظم السياسية و حسب ( المادة 49 فقرة خامسا ) , رغم ان هذه النسبة لم تستحصل في البلدان الغربية المتقدمة , و لا تتسق مع نسبة النساء المتعلمات في العراق .
ثانيًا : من اوجه قصور الدستور , انه لم تكن رئاسة لجنة كتابة الدستور من ذوي الاختصاص في القانون الدستوري . و مما عزز من اوجه هذا القصور ان اغلب اعضاء اللجنة لا يمتلكون تخصصًا في القانون الدستوري ايضا . لذلك نلحظ عدم الدقة في اللغة و في استعمال المفاهيم و المصطلحات الدستورية . و اتسمت تلك النصوص احيانًا بالمصطلحات العاطفية او الميول السياسية او المذهبية او العرقية .
ثالثا : و من اوجه قصور الدستور خلو لجنة كتابة الدستور من تمثيل رسمي للسنة العرب برغم انهم يمثلون مكونا فاعلا في ارث الدولة العراقية . اذ ان اضافة خمسة عشر عضوا من اهل السنة العرب الى اللجنة لم يكن كافيا من حيث العدد و من حيث انعدام الصفة الالزامية لتصويتهم باحتساب انهم من خارج البرلمان .
رابعًا : تدني مستوى الثقافة الديمقراطية , و ثقافة التأسيس لدى اغلب النخب السياسية باستثناء القوى الكردية , ترك اثرًا واضحًا في قصور الدستور و اضفاء المصطلحات العاطفية على ملامحه .
خامسًا : ضعف الثقافة الشعبية الدستورية احيانا , و عدم الاكتراث بالدستور احياناً اخرى , ادى الى قصور واضح في الدستور . حيث لم يعترض الشعب على اي مادة اساسية , و لم يفرض اي مادة اساسية , بل مررت عليه عدد من النصوص الدستورية التي الحقت الضرر به .
سادسًا : شكل اداء القوى الكردية احد اوجه القصور في الدستور لأنهم في الوقت الذي كانوا يكتبون الدستور معنا , بيد ان اعينهم شاخصة نحو مشروع الدولة الكردية المستقلة , و العمل على توفير المقدمات المطلوبة للدولة الكردية من خلال الدستور ذاته . من هنا نجحوا في تثبيت مبدأ ازدواجية اللغة في المخاطبات الرسمية حسب ( المادة 4 ) . و نجحوا في التأسيس لفدرالية هشة قريبة من الكونفدرالية حسب ( الباب الخامس – الفصل الاول ) . و اسسوا لوحدة وطنية هشة لا ترتكز الا على الدستور حسب ( المادة 1 ) , و التي نصت على احتساب الدستور الضامن الوحيد لوحدة العراق , برغم ان وحدة العراق اعمق من ذلك بكثير .
سابعًا : اسهمت القوى الشيعية ايضا في وضع نصوص ادت الى احداث قصور واضح في الدستور , منها :
1 – اسهمت في الغاء النصوص المتواترة في الدساتير العراقية كافة و التي تحتسب العراق جزءًا من الامة العربية برغم ان نسبة السكان العرب في العراق تصل الى نحو 80 % . و هذا الحذف احدث سلبيات عدة منها :
أ – افضى الى عزلة العراق عن حاضنته العربية .
ب – احدث شرخا في هوية العراق الطبيعية , و التي تحكمها لغة الضاد .
2 – تأييد دولة المكونات بدلا من دولة المواطنة ( المادة 3 ) , افضى الى صراعات اجتماعية متعددة الحقت ضررا كبيرا في السلم الاجتماعي و الاستقرار السياسي .
3 – اعتماد المعايير المذهبية في قضايا الاحوال الشخصية حسب ( المادة 41 و 43 ) بدلا من المعايير الاسلامية الجامعة ادى الى انشاء اوقاف دينية متعددة , الامر الذي افضى الى نزاعات حول الكثير من الاوقاف الاسلامية .
4 – تأييد الاتجاه الكردي الرامي الى اضعاف السلطة الاتحادية و تقوية سلطات الاقاليم اسهم في ضعف الصلاحيات المناطة بالسلطة الاتحادية . برغم ان العراق بحاجة ماسة الى حكومة اتحادية قوية لتكون قادرة على الحفاظ على وحدته الوطنية . ان هذا المنحى ادى الى قصور واضح في الدستور .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة