دواعش الثقافة.. هيفاء زنكنه أنموذجاً

سلام مكي

داعش، لم تعري النظام السياسي فحسب، بل عرّت الثقافة أيضاً، عرّتها من مثقفين، كشفوا عن أقنعتهم، التي استتروا خلفها عقوداً طويلة، تحت لافتات العلمانية والمدنية والانسانية، نراهم اليوم، يحرضون على العنف، ويمارسون عنفاً من نوع آخر، عنف، كتابي، تحريضي، لا يقل فداحة عن العنف الذي يمارس في الشارع. داعش لم تكن ثقافة دخيلة، بل كانت موجودة، في نفس المثقف، وذاكرته ووجدانه، لكنها مغمورة في لا وعيه، أو تحت مسمى آخر. اليوم نجد مثقفين، لهم بصمات واضحة في الأدب والثقافة العراقية، يدافعون عن داعش، ويعطون لها شرعية ثقافية. وهذا يأتي من الخلفيات الايديولوجية والطائفية لهم. وهذا ما يحيلنا الى قضية مهمة وهي الايديولوجيا التي تتحكم في العقل الثقافي العراقي، برغم ادعائه عكس ذلك. بالأمس، خرجت لنا الروائية هيفاء زنكنه بمقالة في جريدة القدس العربي، عنوانها: أنظر الى نكبة فلسطين والمقاومة فأرى العراق! هذه المقالة التي تبناها سعدي يوسف، بوصفها تعبر عن رأيه الشخصي. تقول هيفاء: “ان ميليشيات النظام العراقي تمنع النازحين، المهجرين من مناطق سكناهم بسبب الاقتتال، من دخول مدن بغداد وكربلاء وواسط والديوانية وكركوك، وتعاملهم كأجانب في وطنهم، في أكثر الاوقات شدة. وهل هناك ما هو أقسى من اجبارك على مغادرة بيتك، خلال ساعات، لتتوجه وأطفالك نحو المجهول؟ في الوقت ذاته، يدخل الإيرانيون من دون تأشيرة، ولا ضابط على إقامتهم في بغداد وبقية المدن العراقية”. قبل مناقشة هذا المقطع من المقال، نجد ان الكاتبة، لم تذكر داعش، وجرائمها، وصمتت عن أفعال الارهابيين بحق السنة والشيعة، وكأنها تنكر وجود داعش. هي تحاول مقارنة الوضع العراقي مع الفلسطيني، من خلال اعتبار الحشد الشعبي، مقابلاً للجيش الاسرائيلي. فهي تستنكر حرمان المهجرين من دخول كربلاء والديوانية، ولكنها لا تستنكر تهجيرهم! إذ لا مشكلة في التهجير، ولكن المشكلة في دخولهم إلى المدن الأخرى! نعم، لا شيء أقسى من اجبارك على مغادرة بيتك! ولكنها: لم تقل للقارئ من الذي تسبب في هذا الخروج؟ هل هي ميليشيات النظام العراقي؟ لو كانت هي فعلاً، لما ترددت هيفاء في ذكرها، لكنها تعرف مثلما يعرف العراقيون ان داعش هي التي هجرت الملايين من العراقيين في الأنبار والموصل من ديارهم، فلماذا لم تذكر هيفاء ذلك؟ أما مسألة دخول الايرانيين الى العراق من دون تأشيرة، فهي بموجب اتفاق بين البلدين، ان العراق يتعامل بالمثل مع ايران. ولكن لو جئنا إلى مدى صحة ما تقوله هيفاء زنكنه، لوجدنا ان الأمر، لا يعدو سوى محاولة للفت الانتباه، وتبرير الارهاب، بحجة وجود الحشد الشعبي. اذ لا وجود لمنع المهجرين من دخول المدن، وان حصل ذلك فهو بناء على قرار من الحكومات المحلية وليس من قبل جهات أخرى. فكل ما في الأمر، هو وضع ضوابط لدخول النازحين، حفاظاً على الأمن، ولمنع تسلل الارهابيين إلى داخل المدن الآمنة. كما تصر هيفاء في مقالتها، ان هناك مقاومة في العراق، وان الولايات المتحدة قامت بتشويهها! ولا نعلم، أين هي المقاومة التي لم تتشوه، ولماذا لا تقاتل داعش، ان كانت ترى إن داعش ليست مقاومة! أما إذا قالت: ان داعش هي المقاومة وهي تعترف بهذا ضمناً، فكيف قامت أميركا بتشويه صورة المقاومة مادامت هي مشوهة من أصلها؟ مفارقات غريبة، وأسئلة كثيرة، يطرحها المتابع للشأن الثقافي، حول مدى علاقة بعض المثقفين العراقيين بداعش، وهل تم تجنيدهم للعمل كواجهة ثقافية لداعش، مثلما تم تجنيد اعلاميين وسياسيين؟ للأسف، ان داعش، الهمجية، المتوحشة، تدرك أهمية المثقف ودوره في توجيه الأذهان، والتأثير على الرأي العام، لكسب وده تجاه قضيتها، فسارعت الى تجنيد بعض من المثقفين، لحسابها، في حين الحكومة العراقية، أهملت المثقف، ولم تحاول صياغة خطاب ثقافي وطني، ينحاز للوطن، ويستعمل قلمه للدفاع عن البلد؛ لأنها لا تؤمن بأن المثقف يمكنه أن يلعب أي دور، لذلك تحاول تهميشه وتغييبه، أقصى ما يمكن. وليس هيفاء وحدها، من تلعب هذا الدور، بل هناك جاسم الرصيف، البعثي الذي كتب لصدام الكثير، نجده اليوم، يكتب لداعش، ويتحول الى ناطق اعلامي باسمها ومن يطالع صفحته على (الفيس بوك) يرى، حجم الدعم الذي يقدمه هذا المثقف لداعش، اذ يدعمها بنحو علني وواضح.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة