المثقف الطائفي

مثلما توجد في التاريخ الكثير من الأوهام، فإن الثقافة بوصفها مدونات ونصوصاً تحتمل الكثير من الأوهام أيضاً، وربما الكثير من القراءات المضللة، وحتى الوثائق الملفقة، إذ كانت تسعى سلطات الإستبداد والمهيمنات المركزية الى صناعة أوهام ثقافية تعبّر عن أفكارها، وعن عنفها وهويتها وطبيعة المقبول والمباح له من الكلام.
من يقرأ الصفحات الثقافية في الصحف والمجلات العربية، ومن يشاهد بعض البرامج الثقافية في الفضائيات سيكتشف العجيب من المباح، والغريب من المسكوت عنه، ومابين هذين النقيضين تتبدى أوهام اللغة، وأوهام القراءة، وشحطات تورياتها وإستعاراتها، تلك التي يمكن أن تحوّل الفيل بلاغياً الى كائن صغير وهش في الوقع، لكي تعبّر عن شفرات الرسالة، ولكي يضع المثقف/ الكاتب نفسه بعيداً من المراقبة والمصادرة، أو لكي يعبّر عن نزعاته السرية، وعن لا وعيه المريض أو الصاحي..
من أكثر تجليات هذه الأوهام الشفرة الطائفية، ولا وعي الكراهية الذي يتحول للأسف الى موقف يدخل في الإستعمال الثقافي والسياسي، وحتى في قراءات التاريخ والمعرفة والتاريخ، وكأن صورة المثقف لا تتمركز ولا تتضح ملامحها الاّ عبر هذا التجنيس الطائفي، أو تحميل التاريخ والصراعات الغاطسة في العقل العربي الاسلامي حمولات طائفية، وإتهام جماعات وذوات ورموز تهماً لا سند تاريخي لها، بل أن الإتكاء على نصوص معينة هو مايبرر الحديث وتسويق الأوهام من دون أية مراجعة أو نقد أو تصحيف. وهذا بطبيعة الحال ظاهرة خطرة ومريبة، لأنه يعني تعطيل العقل الثقافي، وتعطيل السؤال النقدي، وتسليم الأمر لمسلّمات المدونين الذين لهم خنادقهم ومرجعياتهم، ولهم أيضاً إرتباطاتهم المشبوهة بسلطات الإستبداد، تلك التي يعني لها تدوين النص والحدث والأثر أمراً ذا أهمية كبرى..
إصرار البعض على التسليم يحمل معه أفكاراً ضدية، وتفسيرات من الصعب الركون إليها والقبول بكلياتها، وألى نظرتها الفكرية لأحداث معروفة في التاريخ، حدّ أن أحد أهم مفكرينا العرب إتهم الأفكار التي يختلف معها في النظر والعقيدة بأنها من الغنوصيات، وأن العقل الذي يقف وراءها عقل مستقيل، وهذا التوصيف يُفقده الشرعية، والمصداقية، ويضعه في خانة المشكوك فيه، وهذا الأمر والنظر ظل حاكماً للكثير من المرجعيات والتوصيفات، وصولاً الى تحويل تلك الخلافات الى وسائل لتجريف العقل، ولإسقاط الكثير من التهم حول من يُحسب على فكر ما، ولكي تصبح آراؤه محط جدل وشكوك، وأحياناً تكفير كما يحلو للبعض أن يذهب إليها، أو اعتمادها في سياقات العمل والإجتماع، وفي تحديد مواقف ثقافية من هذه القضية أو تلك…
هذه الأوهام تحولت عند بعض الجهات السياسية أو الفقهية الى خندق لإحتواء جماعات معينة، ولترسيم حدود تأخذ في حسابها التجنيس الهوياتي للبعض، وإخضاعهم بالتالي الى مواقف يختلط فيها السياسي والديني والطائفي والثقافوي والعنصري.. لكن الأخطر في كل هذا الأمر أن يتلبس البعض قناع (المثقف الطائفي) والذي نشاهده هذه الأيام كثيراً في قنواتنا الفضائية العربية، وهذا التلبّس يستدعي معه إستحضار جهاز من المصطلحات والمفاهيم والأحكام التي تخوّن هذا، وتزندق ذاك، وتضع هذا في خانة المارق والكافر، مثلما تضع ذاك في زاوية الخارج عن الملة والأمة..
هذه الصور تعبير عن الهشاشة الثقافية، وعن (موت العقل الثقافي) وظهور غرائبي لصنايعة (العقل الطائفي) و(المثقف الطائفي) الذي إكتشف نفسه فجأة بأنه سليل الفرسان القدامى والفقهاء القدامى الذين أكلت أوهامهم الحروب التي تشبههم في ضلالتها…

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة