العراق بين السياسة والقانون “علي عبد العال”

عندما تقع الجريمة الوطنية ينظر لها السياسيون جميعا كـ «استثمار»، بينما ينظر إليها القضاة كـ «جريمة» فقط. هذا المنظور يشمل حتى الجرائم العادية. فبإمكان السياسيون تحويل النظر عن مجريات القضاء وإستغلال الحدث «البشع» لخدمة المصالح السياسية التي تخص كل طرف من الأطراف المتصارعة على النفوذ وكسب عطف الجماهير عن طريق المزايدة على أرواح الضحايا. هذا الأمر يحدث في كل مكان من العالم، حتى في البلدان الأكثر تطورا سياسيا وقضائيا. الذي يلعب الدور الحاسم في البلدان المتطورة هو الاستقلال الكامل للسلطات القضائية، وبالتالي الخضوع لأحكامه الأخيرة. ويحدث بعض الفساد في هذا المجال لدى قضاة فاسدين ومرتشين، لكن سرعان ما يُكتشف الخطأ بحكم الشفافية وعلنية التحقيقات ومسار الاجراءات القضائية.
يبادر السياسيون إلى استغلال الأحداثـ الجرائم التي تتمتع بمستوى معين من الاستقطاب الجماهيري. وهي الأحداث التي تنطوي على سؤ إستخدام السلطات التنفيذية وطرق معالجتها للحدث، بشتى الأنواع والأشكال عبر وسائل الإعلام، بحيث يتم ترسيخ الشرخ بين الجماهير على وفق دفة الطرفين بعيدا عن التحقيقات الجنائية ومسبقا على حكم القضاء. فينشطر المجتمع إلى رأيين أو عدة آراء تبعا لأراء السياسيين. وهنا تقع البلبلة بالنسبة لأحكام القضاء والمحققين الجنائيين بالنسبة للجماهير.
التصديق بآراء السياسيين قبل نتائج التحقيق وصدور رأي القضاء عبر المدعي العام للدولة هو نوع من الغباء والجهل الاجتماعي بمسار تحقيق العدالة. بالضبط مثل ما يؤمن شخص ساذج بالمنجمين وفتاحين الفال بدل النظر إلى الوقائع الدامغة التي أمامه.
مناطق الأنبار الجريحة المصابة بالألم والحزن، مثلها بقدر أقل أو أكثر جميع مدن العراق، هي اليوم محط انظار العراقيين من حكام ومسؤولين وجماهير شعبية جارفة وقضاة. يقع على عاتق الحكومة ومنتسبيها من قوات الجيش وأجهزة شرطة وحشد شعبي من أبنائها ورجالها البررة مسؤولية إنقاذ العراق من عصابات النهب والسلب وخرق القانون تحت مختلف الذرائع والحجج الواهية. العراق يئن في هذه المرحلة التاريخية العصيبة من جروج يطعنه بخناجرها ممن هم أعلى مستويات القيادة، فأين القضاء وأين الدولة وأين القانون؟
رجال السياسة وتحليلاتهم والخطباء غير المسؤولين على المنصات والمنابر ليست هي الأدوات التي توصلنا إلى الحق ومن ثم تحقيق العدالة. العدالة الحقيقية لا تتحقق إلا عبر القضاء والتحقيق النزيه. في جميع الوقائع التي حدثت يوجد مذنبون بوجود ضحايا، وكذلك يوجد شهود عيان وتوجد كاميرات لا يستطيع دحضها من يحاول الكذب والتنصل من المسؤولية.
يكيل السياسيون المتخاصمون التهم لبعضهم البعض، ويجرون من خلفهم الناس الأبرياء الذين يصدقونهم. لكن الحقائق الواقعية على الأرض ومجريات الأحداث أبعد من ذلك بكثير.
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة