الأخبار العاجلة

الموديل الذي حول جندياً إلى فنان

RENOIR

عبد السادة جبار

الفن هو العبارة الساحرة التي تنطوي على معان متعددة للجمال والخلق وقد تبدو سهلة الفهم للبعض وقد تكون غامضة عند البعض الآخر، والإبداع في الفن ينبوع لا ينبجس عن أرض يباب ولكن كيف يتم الكشف عن موطن هذه العبقرية، فهي لا تخضع لقواعد ومظاهر يكشف عنها عبر أسس واضحة بل تتفجر من دون سابق إنذار لتصدمنا وتدهشنا بوجودها الساحر، وقد يتم توارث الإبداع تبعاً لنظرية الجينات بالرغم من اختلاف نوع الإبداع، ومن الطبيعي أن لا تأتي تلك المواهب بسهولة تماهي فكرة التعلم والتدريب بل لابد من معاناة تصنع تلك القيم الرائعة.. قيم الجمال التي تعيد تصوير الأشياء والانفعالات والطبيعة والصراع النفسي لتتحول إلى تركيبة جديدة عبر عملية معقدة لإعادة الخلق. في عملية الفن، المخرج الفرنسي “جيل بوردو” يعيد خلق سيرة ثلاثة فنانين: رسام ومخرج سينمائي وممثلة، عبر فيلمه الرائع “رينوار” والثلاثة هم: المصور أوغست رينوار (1841ـــ 1919) أحد أبرز الانطباعيين الفرنسيين وابنه المخرج الفرنسي الشهير جان رينوار (1894ـــ 1979) والممثلة اندريه زوجة جان والتي حملت اسم كاثرين هيسلنك فيما بعد, وقد توفيت عام 1979 بعد انفصالها عن جان، ألف جان رينوار قبل أن يرحل كتاب سيرة عن أبيه بعنوان “رينوار أبي” يصف فيها تلك السنوات التي قضاها برفقته، يطلعنا على تفاصيل علاقتهما، وعن أبرز الأحداث والمحطات والآراء التي كان يؤمن بها رائد الانطباعية ومحطات أساسية في سيرته مضيفاً أوقات ذلك الصراع الذي دار بينه وين أبيه وهو صراع فكري وفني بين جيلين، كما أضاف إلى الكتاب شهادة معاصريه ومعاناة الرسام الكبير مع مرض العوق الذي أصابه. هذا الكتاب كان مصدراً مهماً لفيلم جيل بوردو، إذ أن جان قد كتبه بلغة سينمائي بارع وهو أقرب إلى الحقيقة من أي كتاب آخر.
سيناريو الفيلم
يتناول الفيلم المرحلة المتأخرة من حياة الرسام الكبير أوغست رينوار عام 1915 أي قبل وفاته بأربع سنوات والحرب العالمية الأولى مضى عليها سنة واحدة، الممثلة المبتدئة الجميلة “اندريه” تلعب دورها (الممثلة كريستا تدريه) تقطع غابات (الكوت دازور-الريفيرا ) على دراجة هوائية استجابة لطلب تعمل فيه موديلاً للرسام “أوغست رينوار” الممثل (ميشيل بوكيه)، مقابل أجر، تقابل “كلود رينوار” الابن الأصغر الممثل (توماس دوريس) ليدلها على البيت لكنه يخبرها بأنه يتيم، تكتشف اندريه إن من ستعمل تحت فرشاته كموديل هو رجل بلغ الثمانين من العمر معوق ويعاني من التهاب شديد دائم في المفاصل، لا يمكنه الحركة من دون مساعدة الخادمات، لكنه لم يزل مبدعاً حين يحرك فرشاته ليرسمها، يكتشف هو أيضاً إن موديله ينبض بالجمال ويدفعه جمالها لأن يواصل العمل من دون تراجع، وحين تغوص في حياته تصل إلى آلامه، إذ فقد زوجته وان ابنه الثاني الأوسط في الحرب وابنه الأكبر يتعالج في المستشفى بسبب إصابات خطيرة والابن الأصغر يعاني من حالات نفسية كأنه يرفض حياة أبيه التي يعدّها خيانة لوالدته، تلك هي التركيبة المعقدة لحياة هذا الرسام، لكن ما يقلب الأمور هو عودة ابنه “جان” من الحرب (الممثل فنسنت روتيلرز) مصاب بساقه ليلتقي الجميلة اندريه فيتعلق الاثنان يبعضهما إلا أن اندريه لا تريده أن يعود إلى الحرب وتشجعه على أن يختار طريق الإبداع السينمائي لتكون بطلة أفلامه ويعدها بذلك، إلا أن جان بعد أن يتماثل للشفاء يجد إن تغيير مسار حياته وتركه الجيش خيانة لرفاقه فيجدد خدمته في سلاح الطيران، ذلك التصرف يحطم كل أحلام اندريه فتترك المكان وتعيش في حياة الملاهي، يجد الرسام العجوز إن غياب موديله قد حطم آماله وانه لن يجد ملهماً لفنه أفضل منها ويحمل جان مسؤولية الفقدان فيصلح جان الأمور ويستعيد اندريه بعد إقناعها بأنه لا يستغني عنها ثم يودع أبيه الذي يقف لأول مرة على قدميه ليعانقه، يتوفى الأب وتنتهي الحرب ويتزوج جان باندريه ويصبح جان رينوار مخرجاً سينمائياً مشهوراً وتمثل اندريه بأفلامه لكنهما ينفصلان ثم يتوفيان في العام نفسه 1979.
المعالجة السينمائية
صنع المخرج جيل بوردو فيلماً صوره بحس جمالي راق ومدهش وكأنه أراد أن يكون فيلمه انطباعياً تماماً، كما أراد رينوار للوحاته، مزج تلك الأحاسيس المرهفة لأبطاله مع الطبيعة الساحرة في أجواء تصويرية مفتوحة، ولم يبخل بتلك اللقطات الرائعة عبر استثمار الجمال المبهر للممثلة (كريستا تيدريه) في أثناء رسم رينوار لجسدها المضيء بانحناءاته الجميلة وسط المناظر الخلابة، لم يبتعد بوردو عن ملامح السينما الفرنسية بإيقاعها الهادئ والبطيء ولم يتأثر بافتعال السينما الأميركية التقليدية وظل مخلصا لأسلوب تروفو و كلود شابرول وجان رينوار، وقد حرص بوردو على دقة التصوير لإظهار القدرة الفنية للوحات رينوار مما دعاه أن يختار مزيف اللوحات الشهير (غي ريب) الذي خرج من السجن بعد أن قضى ثلاث سنوات فيه بسبب تزييفه الدقيق للوحات المشاهير، في الفيلم يظهر الممثل بوكيه في الخارج، وفرشاته في يده المضمدة، المصابة بالتهاب المفاصل، واضعاً اللون على الكانفاس؛ في حين تقطع الكاميرا بلقطة قريبة على اللوحة، وهنا يتم تغيير يد فوكيه بيد غي ريب لترسم لوحة لرينوار قريبة من الحقيقية. قال بوردو:” عندما كان عليه أن يرسم لوحة لرينوار، كانت له طريقة دقيقة جداً في تحريك يده. كان عليه أن يتوافق مع إيقاع اللوحة، كي تصبح مضبوطة”، قال ريب عن بوكيه:” كان يركّز على النص، وأنا كنت أريد التأكد من أن حركات يده تعكس حركات يدي”، أداء بوكيه وريب كان يجب أن يكون متوافقاً ليظهر المشهد صادقاً ومقنعاً، الممثل ميشيل بوكيه جسد شخصية رينوار ببراعة على الرغم من عبوره عمر الثمانين وقد توقف عن التمثيل إلا أن هذه الشخصية قد استهوته فسارع إلى تجسيدها ليتوقف نهائياً عن التمثيل، وصف الفيلم الناقد ستيفان هولدن بأنه “فيلم فائق الجمال، يصور العالم مراقباً من قبل فنان معوق، بقى حياً بالفكرة التي تسلطت عليه بأن يرى كيف يجسد الضوء بشرة امرأة جميلة”. ومن أجمل عناصر الفيلم تلك الحوارات التي دارت بين الرسام والموديل وبين الأب الفنان والابن جان، وبين جان وحبيبته اندريه، كما كانت شخصية الابن الصغير متميزة وبدت بعيدة تماماً عن عالم بقية الشخصيات وقد برع في أدائها الممثل الواعد توماس دوريس، حين عرض الفيلم بوقت مبكر في الولايات المتحدة وحقق إيرادات جيدة بلغت (200) مليون دولار، إلا أن ذلك أصاب الأوساط السينمائية في فرنسا بالإحباط، بالنظر إلى أن توقيت عرضه حال دون مشاركته ضمن القائمة الطويلة للأفلام الأجنبية التي اختيرت للمشاركة في أوسكار 2014، إذ كان مؤملاً أن يحصل على جائزة أفضل فيلم أجنبي.

فيلم “RENOIR”، تمثيل: ميشيل بوكيه، فنسنت روتيلرز، كريستا تيدريه، إخراج: جيل بوردو

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة