الأخبار العاجلة

استعادة التفاؤل المفقود

صادق الازرقي *

يقول عالم النفس، ريتشارد نيسبت، في مؤلفه «جغرافية الفكر» ان «العالم للآسيوي مكان معقد.. موضوع للسيطرة الجماعية اكثر مما هو للسيطرة الشخصية. والعالم للغربي، مكان بسيط نسبياً.. موضوع للسيطرة الشخصية للغاية. عالمان مختلفان جداً بالفعل».
ومن المعلوم ان نيسبت كتب ملاحظاته تلك في عام 2003 بما يمكن عده حصيلة لتجارب وآراء واستنتاجات، تعلقت بموضوعة الاختلاف بين نمطي التفكيرين الغربي و الآسيوي ـ ولنقل الشرقي ـ الذي تظهر نتائجه في الفرق بين العالمين، فيما يتعلق بمستوى التطور والتحضر والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ وضروب الحياة الأخرى.
لقد اتفق المفكرون الاوروبيون، على ان سمة الحضارة الغربية بصورة عامة وفي معظم اطوارها، مبنية على التفاؤل؛ ويدرجون جملة أمور مهمة كدلائل على تفاؤلها وفاعليتها، التي يحيلون اسبابها الى تأكيد الفكر الأوروبي بصورة عامة على ان الانسان خيّر في الأساس، وان الحاضر افضل من الماضي والمستقبل افضل من الحاضر، و من الدلائل التي يقيمونها على حجتهم بأفضلية الفكر والحياة الغربيين، المنجزات الكبرى في الصناعة والثقافة والفنون والرياضيات والعلم والرحلات والاستكشافات والعمارة، وغيرها من ألوان النشاطات البشرية وإصرار الناس في الغرب على ان يكونوا «فاعلين متفائلين خلاقين» وعملهم على تطوير و تقدم ذواتهم، وان كانوا عدوا المدة بين 1914 الى 1945 قد حطمت التفاؤل، غير اننا نرى ان السنوات اللاحقة للحرب العالمية الثانية منذ 1945 قد عززت القناعة من ان الغرب يفكر بصورة واقعية، وانه على استعداد لتجاوز مسببات التشاؤم المتعلقة بصورة رئيسة بالحروب وضحاياها؛ اما نحن في الشرق فعلى العكس، اننا نولّد تلك المسببات باستمرار، ونوقظها متى ما خبت، ونتسبب بالنتيجة في تضخم اعداد ضحاياها، وهذا هو من ابرز الفوارق بيننا وبينهم.
لن نتخلص من تلك الإشكالية الا بإقرارنا نحن الشرقيين بأخطائنا، والتصرف على وفق متطلبات التحضر والتقدم، وذلك يستوجب منا الاعتراف بتلك الأخطاء، سواء على الصعيد الشخصي او فيما يتعلق بمجتمعاتنا، وان في طليعة المهالك التي يتضمنها نمط تفكيرنا وهو ما عملت الدراسات الغربية على تشخيصه فينا، انشغال الشرقي بتكريس نفسه كبؤرة للمعرفة و للخير في حين يرى في الآخرين افراداً غير جديرين بصفات الصلاح التي يمتلكها بحسب تصوره، و انهم يقلون عنه مرتبة فيُخطِّئ الجميع وينزه نفسه، في حين انه لم ينجز شيئا ذا قيمة، و هو يفعل ذلك حتى اذا ارتكب اخطر الموبقات، فيما ينتقد الغربي نفسه متى ما اخطأ، ويستطيع بكل يسر ان يقول انه مخطئ وذلك سر تفوقه وصلاح حياته، والغريب اننا لم نسع الى استكناه دواخلنا الا فيما ندر، وعلى يد بضعة متنورين تناولوا مكامن الخلل في شخصياتنا.
خذ اي حوارين على مواقع التواصل الاجتماعي يمثلان كلا الاتجاهين ستجد الفارق شاسعاً بين إصرار الشرقي على ان ما يطرحه حقائق لا تقبل النقاش برغم تفاهات كثير منها، وبين منطق الغربيين ومرونتهم وتقبلهم الفكر المقابل مهما كان نوعه او درجته.
ينشغل الشرقي كثيراً بانتقاد الآخرين في كل شيء، والسخرية من لباسهم وطريقة تصرفهم وطريقة اكلهم وغيرها من أمور الحياة الشخصية في اكثرها، وهو بممارسته تلك ينسى انتقاد نفسه ولن يسعى طبعاً لتطويرها والتمتع بفرادتها كما هو الحال في الغرب، بل ان الشرقي يصرف ردحاً طويلا من الوقت الثمين لمحاولة الباس الاخرين ثوبه برغم تهرّئه وتمزقه؛ فيؤدي ذلك الى سلبيات تكون نتيجتها قاتلة تنتج عن اهماله الفرادة الإنسانية الجميلة، فيتحول في معظم الأحيان الى بوق جمعي يجتر حتى اشد الأفكار قتامة وتخلفاً وفتكاً؛ يضيع الشرقي جزءا كبيرا من وقته في الانشغال السلبي بالآخرين، ومسهباً في الحديث عن اخطائهم وتفوقه ونزاهته هو، وفي خضم مسعاه يحاول تكريس سيطرته عليهم، في حين ان المطلوب منه على وفق النسق السليم لسير الاحداث، السيطرة على شخصيته هو والتبحر في مثالبها وبنائها للتأسيس لذاتية يجب ان تصان ويجري تطويرها انسجاماً مع السير المنطقي للأمور ومتطلبات العصر، التي تستدعي الانصراف للسلام واعمال الخير و النأي عن مسببات الخراب والهلاك وبناء الحياة اللائقة بالبشر، وتلك قضايا غادرت تفكير الآسيويين والشرقيين خاصة، بمن فيهم حكامهم حيث يجري التركيز على السيطرة الجماعية على الناس وتوجيههم بحسب اهواء ومعتقدات الافراد ومنهم الحكام؛ ويفترض اذا اردنا البناء والتقدم ان يجري العكس أي ان يكون هدفنا هو الانسان الفرد من حيث هو انسان وتطوير حياته ونمط معيشته لننشئ حياة جمعية مسيطراً عليها بصورة واعية، وهو ما كرسه الغرب منذ عهد طويل لاسيما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فانشأ مصادر تفاؤل جديدة غير قابلة للاندثار اذا ظلت مرتبطة بقيم العدالة والمساواة، ومن ذلك الضمان الاجتماعي للناس و تيسير الحصول على السكن والرعاية الصحية الدائمة، وكثير غيرها من متطلبات الحياة السليمة، فضلا عن تواصل العمران والبناء من دون توقف، ولكن الهدف واضح هو خدمة وحدانية الناس وتفردهم، وليست السيطرة عليهم، فلم تعد السيطرة مقبولة بعد ان أتاحت الدول المتحضرة لسكانها اقصى درجات الحرية انسجاماً مع دوافع الخير في حين لجمت دوافع الشر بقوانين صارمة لن يجري التساهل في تنفيذ عقوباتها.
ان التفكير السليم الذي يدفع المجتمع الى الامام وينمي فيه روح الامل والسعادة هو قيم التفاؤل بالتحديد وهو ما نجح الغرب في استعادته مع كل كبوة، انهم يقولون بوضوح، اننا اخفقنا وتسببنا في الكارثة وادخلنا حياتنا في التشاؤم، وها نحن نشرع في استعادة تفاؤلنا؛ اما نحن فلا نفعل ذلك، ومهما كان عظم مساوئنا وخرابنا؛ فاننا نفاخر بالقول اننا على الطريق الصحيح والوضع لدينا مثالي و «انموذجي»، وهكذا يفلح الآخرون في استعادة تفاؤلهم المفقود والشروع من جديد في بناء حياتهم، في حين نخفق نحن في العبور فيتعاظم تشاؤمنا ونظل نحلم مجرد حلم بالأمل واستعادة التفاؤل

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة