حرائق طائفية ومجازر وطنية

سلام مكي *

نفر غير منضبط، ينتمي الى الحشد الشعبي، قام بحرق شخص، لا نعلم ما هي هويته والى أي طائفة ينتمي: هل هو ارهابي؟ بريء؟ عراقي؟ اجنبي؟ وحتى الحارق، لا شيء يرمز الى هويته سوى ملابسه التي تشير الى انه ينتمي الى جهة تابعة الى الحشد الشعبي وتقاتل في الانبار. صور هذه الحادثة التي انتشرت مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي، اشعلت مشاعر الكثير ممن يدعون انهم حماة الطائفة السنية، التي لم نسمع اصواتهم يوم اعدمت داعش المئات من عشائر البو نمر وغيرها من المجازر التي ترتكبها داعش يوميا بحق ابناء اهل السنة في المنطقة الغربية من الذين رفضوا وجوده في ارضهم، وقاتلوه بما يملكون من اسلحة شخصية، بعيدا عن شيوخهم وسياسييهم الذين يتخذون من اربيل وعمان وتركيا مقرات لهم، ومن قلبه على بلده ويعد من افضل السياسيين يسكن في المنطقة الخضراء، يتظاهر فيها، يقاتل منها، يمارس عمله الوزاري او البرلماني منها. ولا يخرج منها الا للضرورة القصوى، هذه الضرورة تتمثل بالسفر الى خارج العراق! وشيوخ العشائر الذين يحتمون برئيس اقليم كردستان، ويتخذون من اربيل منطلقاً للقاءاتهم ومؤتمراتهم وتصريحاتهم الداعمة لداعش والارهاب، ايضا، لم نسمع اصواتهم، عندما سبى داعش نساء الانبار، وهجر عائلاتها وجعلها تحت رحمة السماء والشوارع. لم نسمع احدا دافع عن اهل الانبار، او حماهم من نيران داعش، بل نراهم يكتفون بإلقاء التهم على الحكومة المركزية، وتحمليها مسؤولية ما جرى لأهل الانبار من تهجير وقتل وتفجير، ولا يقبلون بأن يحملوا انفسهم أي مسؤولية تجاه جمهور ناخبيهم. جميع الاصوات تعلو عندما يكون القاتل من غير طائفة! اما اذا كان القاتل من الطائفة نفسها فلا جريمة اصلا بنظرهم، وكأنهم يقولون لنا: ان داعش من طائفتهم فعلا! الانسان العراقي من وجهة نظر هؤلاء السياسيين وشيوخ العشائر هو نافذة او وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية، فإذا قتل المئات، من ابناء جلدتهم، فلا يحركون ساكنا، مادام هذا القتل، لا يحقق لهم اي منفعة، او مكاسب شخصية، في حين لو قتل شخص واحد، مع الزعم انه من ابناء طائفتهم، والقاتل من غير طائفة، لسمعناهم يصرخون بكل الفضائيات ووسائل الاعلام، ويصورون للناس انهم مظلومون ومهمشون، وان الآخر يقتلهم، ويهجرهم، لا لشيء الا لتحقيق مكاسب. الشخص الذي حرق قبل ايام، يحقق لهم الكثير من المكاسب والدعم المعنوي الذي فقدوه منذ مدة، فقدوه بعد ان مرت احداث الاعظمية بسلام على العراقيين، في وقت، كان الكثير منهم قد بنى آمالا كبيرة على تحقيق حلم الطائفية وتأجيج الوضع بعد حادثة الاعظمية. الشخص المحروق، لا نعلم، ما هي طائفته، فقد يكون اجنبياً، جاء الى العراق بغية قتل العراقيين، والتقرب الى الله بدمهم، وربما يكون عراقياً، لكنه ارهابي، قتل العشرات من العراقيين الابرياء، وربما يكون شخصاً بريئاً، او مشتبها به، حرق ظلماً وبلا ذنب. اما الحارق، فقد يكون ارهابيا، تنكر بملابس الحشد الشعبي لتشويه سمعته، ولعمل ضجة اعلامية فارغة، تقلل من انتصارات الحشد الشعبي، وتعرقل تحرير بقية المناطق الخاضعة لسيطرة داعش. السياسيون وشيوخ العشائر والفضائيات الداعمة لهم، تركوا كل شيء، تركوا اخبار النازحين الذين، يكتوون الان بحر الجو ومعاناة الانتظار على جسر بزيبز، الشاهد على تخاذل وخنوع بعض السياسيين، وتنكرهم لفضل هؤلاء النازحين الذين لولا اصواتهم لما وصلوا الى ما هم فيه. ان فعل الحرق، مهما كانت الداوفع، تعد جريمة ضد الانسانية، ولا تمت لأي دين بصلة، وهي بعيدة عن القيم السماوية والاخلاقية. فالشخص المحروق حتى لو كان ارهابياً فعلا، فلا يحق لأحد قتله بهذه الطريقة، اضافة الى ان الوضع المحتقن لا يسمح بتصوير جميع الاحداث داخل ارض المعركة. لقد استغل الطائفيون هذه الحادثة الفردية، ليبرهنوا على ان الحشد الشعبي هو جهة طائفية وان الطرف الآخر، مظلوم ومضطهد، وانهم محقون بتأييدهم لداعش، مادام الطرف الآخر يحرق اعداءه. ان المجازر المرتكبة من قبل داعش بحق ابناء السنة، يعدها البعض مجازر وطنية يجب السكوت عليها، اما الحوادث الفردية المتفرقة كهذه الحادثة فهي طائفية، خطة على المجتمع، يجب التصدي لها بكل قوة وحزم، حتى لو كان ضحاياها فرداً واحداً، وضحايا المجازر بالمئات. من المؤسف حقاً، ان يتحول الانسان العراقي الى مجرد وسيلة لتحقيق غايات السياسيين، وهذه الغايات، تعتاش على الطائفية والتفرقة بين ابناء الشعب العراقي. وللأسف، نحن لا نملك اعلاماً مهنياً، يتابع ما يدور في الساحة السياسية، ويرصد الاخبار والمنشورات التي تحرض على العنف، وتفوح منها روائح الطائفية، اعلاماً، متجرداً من كل شيء، الا الانتماء الى الوطن والانحياز له. فهذه الحادثة، يمكن تحليلها وتفكيك الصور او مقطع الفيديو، التي ظهرت به للتأكد من مصداقية الخبر، وهل فعلا من قام بالحرق اشخاص ينتمون الى الحشد الشعبي؟ كما اننا نفتقر الى مراكز للبحوث والدراسات المتخصصة بالشأن الامني والسياسي التي يمكن ان تكون مرجعاً فكرياً وسياسياً، يمكن بناء آراء عليها، اما البقاء تحت هيمنة الانفعالات الطائفية والعواطف التي تشتعل لمجرد بث خبر، من دون التأكد من صحته، فهو يؤدي بالنتيجة الى بقاء الوضع على ما هو عليه.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة