خلطة لكيمياء السلوك الفانتازي

The Grand Budapest Hotel

عبد السادة جبار

لا يشغل بال المخرج ويس اندرسون السرد التقليدي في عالم السينما، إذ يطرح خيارات متعددة للادهاش فهو يجمع الكوميديا السوداء والفنتازيا والعبث بخلطة مذهلة ولا يمنعه ذلك من صنع مبالغات تصويرية يهدف من خلالها صنع خيال يدعم حكاياته مهتماً بالتفصيلات الصغيرة لتشعر أحياناً كأنك تشاهد عرضاً كارتونياً، وفي هذا الفيلم (فندق بودابست الكبير The Grand Budapest Hotel) يستثمر قصص الكاتب الكبير ستيفان زفايغ ليصنع منها شريطاً سينمائياً مثيراً للدهشة ويحقق أرباحاً تقدر بـ(161) مليون دولار على الرغم من ميزانيته المنخفضة نحو (30) مليون دولار، قد لا تهم القارئ الجوائز الثلاث التي حصل عليها الفيلم في مهرجان الأوسكار الأخير؛ لأنها شملت الأزياء والماكياج وتصميم الإنتاج، إلا ان منافسته الشديدة لفيلم بيردمان واهتمام النقاد به وتحقيقه أرباحاً واشتراك أكثر من 10 نجوم كبار في أداء الأدوار فيه يجعله فيلماً يستحق المشاهدة. حرص المخرج “ويس اندرسون” كعادته أن يصنع فيلماً مبهراً مكتملاً إخراجاً وتمثيلاً وموسيقى وتصويراً وحبكة على امتداد 100 دقيقة، واندرسون قدم عدة أعمال ناجحة “راشمور”1998، و”ذا رويال تننباومز” 2001 و”الرائع مستر فوكس” 2009، و”مملكة بزوغ القمر”2013، وقد ترشحت أفلامه الأخيرة للأوسكار الا انه عوضها في ما بعد بثلاث جوائز في فيلمه الاخير 2014.

سيناريو الفيلم
تجرى أحداث الحكاية الرئيسة للفيلم، في القارة الأوروبية ولكن في بلد متخيل يسمى (زوبروفكا) إلا أن المخرج يمنحنا تفصيلاتها عبر (الفلاش باك) غير المتسلسل، يبدأ من المرحلة التي تسبق بداية الحرب العالمية الثانية، نرى من خلالها الكاتب “ويلكنسون” الممثل (جود لو) يروي مستذكراً شبابه وهو يستمع “لمصطفى” الممثل ( موراي ابراهام) يروي له حكاية فندق “غراند بودابست” أيّامَ شهرته، إذ يبدأ بحكاية غوستاف موظف الاستقبال الممثل (رالف فينس) المنشغل بمرافقة النزيلات المسنات والاهتمام بهن وبتلبية رغباتهن ونزواتهن. وإذ ينضم الشاب، ينضم مصطفى الى طاقم الفندق إذ كان شاباً يؤدي دوره (طوني ريفولوري)، يتعرف على غوستاف لتنشأ بينهما علاقة صحبة وصداقة لا يستغتي أحدهما عن الآخر، يعاشر غوستاف “مدام دي” الممثلة (تيلدا سوينتون)، بعد شهر من آخر لقاء بينه وبينها وبعد أن تترك الفندق يقرأ خبراً في الصحف عن وفاة مدام دي بظروف غامضة، يرحل غوستاف مع مصطفى فوراً من أجل توديع الجنازة، الا انها أوصت له من تركتها لوحة فنية مهمة لا تقدر بثمن. مما يسبب ذلك غضباً لعائلتها وبالذات لدى ابنها “ديمتري” الممثل (ادريان برودي إذ ينشأ العداء بينه وبين غوستاف مما يضطر غوستاف الى أن يسرق اللوحة بمساعدة مصطفى ويعودا بها ويخفيها غوستاف في أحد خزائن الفندق ثم يجعل مصطفى الوريث الشرعي له، لكن الشرطة تلقي القبض على غوستاف بتهمة قتله مدام دي بسبب وشاية وشهادة زور ويسجن لكن مصطفى وحبيبته “اغاثا” الممثلة (سيرشا رونان) يساعدانه في الهرب، عندها أوشكت الحرب على الاشتعال، وبسبب تلك الظروف سيطر الجيش على الفندق ليحوله الى مقرات، ولا بد من استعادة اللوحة الثمينة لكن غوستاف لم يزل من المطلوبين كما انه قد آلمه تحول هذا الفندق الجميل الى ما آل اليه بسبب تحوله الى ثكنة عسكرية فيستعين باغاثا لاستعادة اللوحة بحجة توزيع الحلوى بين الجيش إلا أن ديمتيري يكتشف اللعبة ويطاردها وتعم الفوضى، ولكن المصادفة تظهر بقية الوصية المخبئة في اللوحة إذ تبرئ الوصية غوستاف وتوصي بثروة كبيرة له اضافة للفندق الذي يكشف عن كونه من ملكياتها، وهكذا يجعل غوستاف بواباً للفندق لكن غوستاف يلقى حتفه في ما بعد في أثناء دفاعه عن مصطفى الذي أصبح عجوزاً في ما بعد ويصبح الفندق ضمن الملكية العامة وبادارته أيضاً.

المعالجة السينمائية
نسج اندرسون مجموعة حكايات لشخصيات متعددة تفرض نفسها على عالم الأحداث حول محور حدث قضية واحدة وتصبح تلك الحكايات المتداخلة في المكان الواحد متجهة الى نهاية حتمية، فالقصة في حدّ ذاتها هي حجّةٌ لاختراع عالمٍ من الشخصيّات التي تبدو وكأنها مستمتعة إلى أقصى حد بمجرد ظهورها على مسرح الأحداث، كما يعبر عن ذلك أحد النقاد، والاهتمام بالديكور كان مهماً ليتشكل الميزانسين بجمالية بصرية مثيرة للاهتمام، ويبني الحوار السريع الذكي في الفيلم بأسلوب يدعم ايقاعه المثير بأجواء مشهدية تلعب اللقطات السريعة دوراً مهماً في ملاحقة الشخصيات المتنوعة يجسد من خلالها تلك المرحلة المضطربة والمفعمة بالأحداث، والشيء المهم الذي نريد أن نذكره هنا هو تغير حجم الصورة، الطول الى الارتفاع في العرض السينمائي أي ما يسمى بابعاد الصورة (نسبة الطول إلى العرض)، إذ قدم لنا ثلاثة أبعاد، .. ويبدو ان اندرسون متأثر كثيراً بالسينما الكلاسيكية، واتضح ذلك خلال اختياره للموسيقى أو أسلوب العراك ونوع اللكمات واختيار مقاطع بالأسود والأبيض، اضافة لأصوات اطلاق العيارات النارية في المسدسات، لقد برع اندرسون بادارة هذا العدد الكبير من الممثلين في حكاية من هذا النوع ويقف في طليعتهم رالف فاينز في دور السيد غوستاف، مع أدريان برودي وويليام دافو وجود لو وهارفي كايتل وإدوارد نورتون وبيل موراي وأوين ولسون، إلى جانب توم ويلكنسون واف، وموراي أبراهام وآخرين. لقد نجح أندرسون في اقناع بعض الممثلين الذين كانوا يؤدون أدواراً رئيسة وإقناعهم بالظهور في أدوارٍ ثانوية. لَقيَ الفيلم نجاحاً نقديّاً وعد من أفضلِ أفلام السنة، وقد حصل على تقييم 92% في بعض المواقع، وحصل أيضًا على تقييم 88 في موقع ميتاكريتيك بناءً على رأي 47 ناقدًا، كتب درو مكويني “أن فندق بودابست الكبير هو واحد من تلك اللحظات الفجائية، فيلم جميل جدًا من البداية حتى النهاية لدرجة أنني شككت في نفسي، هل استمتعت بذلك الفيلم لهذه الدرجة؟”.

*فيلم” The Grand Budapest Hotel”، تمثيل: جود لو، موراي ابراهام، تيلدا سوينتون، إخراج : ويس اندرسون

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة