بالمقلوب

وكأني كفرت حين قلت ماقلته، فبينما كانت الزميلة تعبر عن غضبها من المستوى المتدني لمعظم الطلبة وعن ضرورة معاقبتهم بالرسوب، عبرت أنا عن قناعتي بأن طلبة الجامعة هم الاساس لبناء البلد كونهم يمثلون شريحة الشباب، وان مسؤولية الاستاذ لا تتوقف عند تلقينهم المادة العلمية بل في ارشادهم وتوجيههم لتحسين مستواهم الدراسي. وأيدتها فيما ذهبت اليه شأنها شأن الكثير من الاساتذة بأنه (جيل فاسد وتعبان ومبيه أمل..)، لكني أضفت بأن هؤلاء الشباب هم جزء من بلد يمر بالعديد من الازمات، واذا كان الاكبر عمراً و الاكثر منهم تجربة وخبرة قد أصيب بالاحباط، فكيف بالشاب في ظل مايعيشه من قلق وبطالة وخوف. ما أزعجني هو ليس فقط اصرارالزميلة على اني (مثالية وطوباوية وبطرانه)، وان تعبنا (ضايع) في هذا الجيل، بل حجم الغضب والعنف الذي استفحل وساد بل وغطى معظم النقاشات والحوارات والقناعات التي ترسخت في رفض كل ماهو صحيح ومفروض ومتعارف عليه في القوانين الطبيعية والانسانية والعالمية.
لا ألوم زميلتي، فهي لاتقصد سوءا، لانها ليست الوحيدة، فقد استفحلت القناعات الخاطئة و(المثل) السلبية مثل أعشاب ضارة في أرض مهجورة، فمن يتحدث عن الاعتدال لابد أن يكون علمانياً، شيوعياً، ماسونياً او متهتكاً، ومن يتحدث عن الوطن والوطنية والهوية يكون واهماً وحالماً وجاهلاً بما يدور حوله، وربما يراه البعض استسلامياً وانبطاحياً ومتخاذلاً و (غير طائفي). وأيضا لا ألوم الناس، فما تعرض له هذا المجتمع وافراده ليس بالقليل، و اذا ما حدث لأي شعب أوروبي لأحتاج لمثل عدده من ألاطباء النفسانيين، مما يدق ناقوس الخطر؟
الجميع يعرف اننا نواجه حرباً ضد الارهاب بدأت بعد 2003 ضد القاعدة والميليشيات وداعش الخ، وكل الساسة يهتفون بالدعوة لمحاربة الارهاب بالسلاح. والحمد لله الذي أنار بصيرة بعضهم في الآونة الاخيرة وألهمهم بأن الحرب على الارهاب هي ليست حرباً عسكرية فقط بل سياسية أيضا، يجب أن تتفق فيها الاطراف المتنازعة (على شنو؟)، وحمداً لله ثانية على انه حبا بعض السياسيين بعبقرية فذة فأدركوا بأن حربنا ضد الارهاب هي ليست عسكرية وسياسية فقط بل واقتصادية ايضاً، أي ان البلد لن ينهض وينتصر من دون وضع خطط اقتصادية لاتعتمد على مبدأ (الدولة الريعية والمصدر الاحادي و الخ).
ولكن يبدو انه لم يتنزل وحي حتى الآن على أي من سياسيينا الفطاحل ليبلغهم بأن المصيبة أعظم وتتجاوز حدود الحل السياسي والامني والاقتصادي والعسكري. اننا نواجه الارهاب الاخطر وهو ان الغالبية صارت تسير (بالمقلوب)، فصار عاليها أسفلها، وانقلب المثل ليصبح (لا يصح الا الاعوج)، أما كل ماله علاقة بالخير والحب والانسانية والسلام فهو (سفسطة)، فهل يعني هذا اننا نواجه ارهاباً ثقافياً واجتماعياً؟ وهل سينتهي كل هذا بانتصارنا العسكري على داعش، اذا تحقق باذن الله؟
بشرى الهلالي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة