التأويل ورهانات السياسة في التراث الإسلامي

ا.د.عامر عبد زيد الوائلي

يبدو إن للتأويل تحولات متنوعة في التراث الإسلامي بتنوع الرهانات السياسية التي كانت تتصارع على المشروعية الرمزية التي يمنحها النص القرآني والذي يمكن بمقتضاها أن تغدو السلطة السياسية تتمتع بالمشروعية السياسية.
كان التأويل جزءًا من هذا الصراع حيث ورد في عشر موارد من القرآن الكريم وهي تفصِح عن الفضاء الثقافي والاجتماعي الذي ظهر التأويل في ظله.
ويبدو أنّه كان يمثل قاسمًا مشتركًا من الصراع على إعادة امتلاك الرأسمال الرمزي للنص وهذا يظهر جلياً في حديث الإمام علي (ع) بقوله :” بالأمس حاربناهم على تنزيله، واليوم نحاربهم على تأويله “وهذا التأويل يرد هنا بوصفه مرحلة أخرى من الصراع على الرأسمال الرمزي بعد تلك الحرب التي كانت تدور بين الطرفين على التنزيل، لكن المرحلة الثانية من داخل الخطاب الإسلامي هذه المرة تحاول أن تجعل من القرآن ساحة الصراع على المعنى خصوصاً بعد حادثة التحكيم التي وصفها الإمام علي في حديثه مع ابن عباس حيث بين إن المعنى هو من ينتجه القارئ للنص بقوله :” القرآن بين دفَّتي المصحف لا ينطق وإنما يتكلَّم به الرجال ” وهنا يغدو الرجال منتجين للمعنى عبر الغوص في معنى النص الذي يقوم بدوره بضخّ المعاني الكثيرة التي بإمكانها أنْ تزوّد الطرفين المتخاصمين بالحجج بحسب قراءتهم لها كلٌّ من زاوية فهمه الخاص، كما يقول الإمام :”لا تحاجهم بالقرآن، فإن القرآن حمَّال أوْجُه، بل حاجهم بالسُّنَّة”.
وهنا يظهر التأويل بوصفه عملية فكرية مرتبطة بالعامل السياسي، وسعي كل طرف إلى إيجاد سند لما يطالب به من شرعية أو مسوغ ديني.
وفي الوقت نفسه- كما يؤكد نصر حامد أبو زيد- إن معنى التأويل الذي يمكن أن نتلمسه من تلك الأقوال للإمام علي (ع) لا يتضمن أية دلالة معيبة لكلمة “تأويل”، التي لم تكن بعدُ قد تحولت إلى مصطلح، بل هي عبارة واصفة لطبيعة الخلاف.
لكن سرعان ما أخذ هذا المعنى يصيبه التحول، فمصطلح “التأويل” اكتسب دلالتَه غير الحسنة تدريجيًّا، ومن خلال عمليات التطور والنموِّ الاجتماعيين وما يصاحبهما عادة من صراع فكري وسياسي. ويمكن لنا هنا أن نستشهد ببعض الأقوال التي وَرَدَتْ متناثرةً في كتب التاريخ والتفسير.
اعتقد أنّ هذا المآل الذي وصل إليه مفهوم التأويل كان نتاجًا للصراع على المعنى في الزمن الأموي بين أهل الجبر وأهل القدر. وهذا الأمر يبين لنا تحولاًّ مهمًّا حصل في بنية الخطاب الفكري الذي كان سائداً في زمن الإمام علي، إذ أخذ هذا الخطاب بالتشكل مع الأمويين حين كان الوضع العام السياسي أكثر فعالية في استثمار البنية الذهنية والموروث اللاهوتي في إسباغ الشرعية على الذات في صراعها مع خصومها على السلطة والعامل الديني عامل فاعل بل مهيمن في تسويغ الشرعية السياسية وإسباغ البعد العقائدي على المتصارعين.
وكان الأمر لا يتعلق بالأرض وبُعده الناسوتي، بل إن الأمر أخذ منحى لاهوتيًّا.
وهنا بدأ الصراع العقائدي وتركت السياسة آثاراً عميقة لما هو يومي، حيث تم تأييده من خلال تحويله إلى بعد عقائدي كوني، إذ تزامن مع انتصار معاوية تحوّل القبائل التي قاتلت معه أو انضمت إليه هي وحدها “الجند”، وقد بلغ تعدادها ستين ألفاً، أما المجموعات التي قاتلت ضده فقد أصبحت هي والتي كانت مترددة أو معتزلة، أصبحت (رعية).
وهكذا انقسمت (القاعدة) بدورها إلى جند ورعية)(1).
يبدو أنّ انقسام المسلمين إلى أهل سلطة وأهل حول وطول ولهم الغنيمة وآخرون مجرد كونهم رعية خاضعة إلى أمر السلطان، وهنا جاءت مقولة الجبر من أجل تحويل هذا الوضع التاريخي في الصراع إلى كونه أمراً كونياً لاهوتياً تجلى إلى علم الله وإرادته وعليهم أن يتقبلونه بوصفه أمراً مفارقاً غيبيّاً، أو بحسب مقولة السلفية:(الخروج يعني الفتنه وخروج على ولي الأمر) فهذا التحول السياسي ترك آثاره على أهل العلم أيضاً الذين انقسموا بين من يسير مع السلطة ويعمل على تبرير الأمر الواقع واعتبار أي خروج قرين الكفر والهرطقة، وبين من اتخذ موقفاً معارضاً للسلطة، نجد أنّ السلطة كانت قد اتخذت القوة والشدّة مع المعارضة التي انتقلت من القول إلى العمل، وقدمت الدعم لمن يؤيدها، إذ بذلت السلطة العطاء لعلمائها.
ولم (يتردد الأمويون، بمن فيهم معاوية، في الفتك بأفراد هذه النخبة الدينية والفكرية إذا هم انتقلوا بمعارضتهم من “القول “إلى “العمل “أو ظهر من سلوكهم ما يهدد بذلك )(2) هذا الأمر يبين ان السلطة كانت تدرك دور العلماء في فهم وتفسير وتأويل النص، وأيضاً هذا يظهر بوضوح الظروف التاريخية التي كانت تحكم الواقع السياسي الذي شكل محرضًا تاريخيًا من أجل ظهور فهم جديد للتأويل يتناسب والظروف التي شكلت تحديات ومارست ضغوطها على أهل العلم في ظل هذه الظروف، ظهر تحوّل في فهم التأويل سيقول أهل العلم ممن يسيرون على وفق سياسة السلطة بتصنيف جديد يقوم على احتكار المعنى، وكل من يخالف هذا التصنيف يعد خارجاً عن الشرعية ومن ثمّ خارج التصنيف الرسمي أو التأويل المركزي للنص ومن ثمّ أصبح هنا معنى سلبي للتأويل بعد أن تم تحديد أُفُقه بنحو كبير، وهذا ما يشير إليه نصر حامد أبو زيد متخذاً من نص مركزي لدى الطبري يقول فيه : عن بعض التابعين في شرح الآية 7 من سورة آل عمران، هناك مَن يقول عن “الذين في قلوبهم زيغٌ” الذين يتَّبعون المتشابِه أن المقصود هم الخوارج.[3] () والعبارة، ي دلالتها الحرفية، تعني أنهم يقصدون إلى تأويل المتشابِه من القرآن واتِّباعه “ابتغاء الفتنة”، لأن المتشابِه “ما يعلم تأويلَه إلا الله” بنصِّ الآية المذكورة.
هذا التصعيد بالمعنى يحاول إرجاء المعنى إلى الله في وقت يتهم كل من حاول أن يقدّم تأويلاً يتم اتهامه بالزيغ والهرطقة، أي بالتكفير وهذا يعني إخراجه من الملة؛ ولهذا تجد كل من مارس التأويل من أهل الاعتزال أو التشيع أو التصوف تم تصنيفهم بأسلوب نمطي إقصائي بوصفهم “المؤوِّلة”.
فهذه الحالة السياسية تركت آثارها في المعرفة أي تعاضد السلطة والمعرفة معاً، إذ تجلى هذا الأمر في استقراء مفهوم معين عن التأويل في أذهان الناس في تلك الحقبة، وامتد تأثيرها في الحقب التي لحقت بها، مما يعني تشييد منهج جديد بفعل تأثيرات سياسية معينة تجلت في منهجية معينة في النظر إلى النص.
ولعل هذا يظهر بنحو واضح كما كشفه نصر حامد ضمن قراءته الحفرية في تحولات المعنى للتأويل في قراءة جلال الدين السيوطي الذي أحدث تمييزاً دلاليّاً بين مصطلحَي “التفسير” و”التأويل” يضعهما معاً على قدم المساواة، من حيث ارتباطُ كلٍّ منهما بالآخر، وحاجة المفسِّر – أو المؤوِّل – إليهما معاً، وذلك على أساس أن “التفسير” يمثّل شرحاً لمعاني كلمات المفردة، في حين أن “التأويل” هو استنباط دلالة التراكيب، بما تتضمَّنه من حذف وإضمار وتقديم وتأخير وكناية واستعارة ومجاز إلخ. لكن ما يقوله السيوطي في القرن التاسع ليس في مجمله إلا إعادة صياغة وترتيب لما سبق قولُه في القرون الأربعة الأولى وما تلاها بقليل، وربما حتى نهاية القرن الخامس الهجري، حيث ينقل كثيرًا من أقوال الإمام الغزالي.(4) ومعنى ذلك أن الأقوال التي يرويها السيوطي عن السلف يمكن أن تؤخذ على أنها وصف للممارسة الفعلية في مجال التفسير في عصره، وهو العصر الذي يعدّ “التأويل” مصطلحًا مشبوهًا، إن لم يكن سيئ الدلالة.

هوامش:
1 – محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط4، بيروت،2000، ص،235.
2 – ن، م، ص2240.
3 – نصر حامد أبو زيد الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي ط1، بيروت، 2000، وانظر تبعاً له : الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، بتحقيق محمود محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، 1971، الجزء السادس، ص 198.
4 – المصدر السابق وانظر: السيوطي (عبد الرحمن جلال الدين)، الإتقان في علوم القرآن، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، ط 3، القاهرة، 1370 هـ/1951 م.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة