فيزا ثقافية

السفر الثقافي إلى البلاد العربية صار محفوفاً بالأسئلة والشكوك، وحتى بالبحث في سيمياء الأسماء والسحنات وتأويل البشرة واللهجة والعِرق وشفرة الاسم وطلاسمه، وكأن صاحب السفر سيكون مصدراً لتهديد الأمن القومي ولتغيير نظام الوصايا الثقافية في هذا البلد العربي أو ذاك..
هذا الامتياز السوسيومخابراتي أفقد العروبة الثقافية الكثير من معانيها التربوية والإنسانية، مثلما أصاب الوصايا القديمة التي تعلمناها في المدرسة والعائلة بالكثير من الضرر النفسي والثقافي والقيمي، حيث وصايا الأمة الواحدة واللغة والمقدس وتاريخ الحروب والمذابح العربية المشتركة..
هذه الوصايا بدأت تثير الضحك والمرارة، حدّ أن فوبيا المطارات والحدود صارت باعثَ لعنة تطارد المثقفين، ليس لأنها تكشف عن هزالة المؤسسة الثقافية العربية وتسطيح فاجع لقيم الثقافة ورسالتها الكبرى حسب، بل لوضع المثقف- أيضاً- أمام نوع أكثر رعباً من الاستلاب الثقافي، استلاب السلطة وشكوك عيون المحققين ووجوههم الغليظة وأسئلتهم المريبة، حدّ الإحساس بهشاشة ما يملكه المثقف من كبرياء وعيه- المُضخَم عادة- أمام سلطة غامضة لا علاقة لها بالخصوصية المهنية للفيزا الثقافية، ولا بإحساس المثقف الرهيف والمتعالي بـ(عروبته) التي يسحق رمزيتها أصحاب النظارات السود..
الفيزا في السياق الدبلوماسي والسياسي عمل مؤسسي، له مرجعياته وله آلياته، وله مهنيته وحساباته، حدّ أن وظيفة العاملين في المطارات الأوروبية تشبه موظفي العلاقات العامة، يستقبلونك بوجه ضاحك، ويودعونك بكياسة وأناقة، ودونما أسئلة مريبة، أو حتى نظرات تستلبك من أخمص قدميك حتى قمة رأسك، لأن الحصول على المعلومات التي تخصك، أو حتى مراجعة ملفك الأمني أو الثقافي أو طبيعة عملك، وكل ما يخصك شؤون لها سياقات ومؤسسات تعمل من دون أن تسبب لك حرجاً، أو تعرّضك الى أسئلة التحقيق المريبة..
الفيزا الثقافية العربية مثار التباسات كثيرة، ومثار توصيفات أمنية تضع المثقف تحت(مراقبة) عيون تبعث فيه الخوف، وتُفقده حصانة حيازة أي معنى يمنحه إحساساً بقوة ما يملكه من وعي… وحتى الجهات الثقافية التي تُنظم الفعاليات لا تمنحك حصانة أمام سلطة الجهات الأمنية، ولا تملك مسؤولية التعريف بك، وإعطاء ما يجعلك تمرّ بحقائبك في المطارات مع عيون توحي لك بالسلام والاحترام والثقة..
في المدة الأخيرة سمعت كثيراً عن مواقف لمثقفين عراقيين عانوا في الحصول على الفيزا الثقافية، وربما رفض دخولهم إلى العديد من البلدان العربية، وتحت أسباب الدواعي الأمنية، وهو ما يثير السخرية حقاً، ليس لأن المثقف العراقي لا علاقة له بالجهات الأمنية، ولا حتى هو صورة ناشزة للجنرال أو الشخص السري والمجهول، بقدر ما يكشف هذا الإجراء عن ضعف المؤسسات الثقافية العربية بدءاً من مؤسسات الجامعة العربية، ومؤسسة الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، وانتهاء بالاتحادات والجمعيات الثقافية والأدبية العربية، والتي لا تملك أية قوة رمزية لمؤسساتها في اختيار من تدعو ومن يشارك في أعمال فعالياتها الثقافية والدفاع عنهم وتيسير أمر دخولهم وحمايتهم من هذه الشكوك العروبية. هذا الفقدان يؤكد لنا أيضاً هامشية الوظيفة الثقافية، وهامشية الملف الثقافي أمام الملفات الأمنية والسياسية، فضلاً عن ضآلة المؤسسة الثقافية أمام السلطة الأمنية ذاتها، وضعف استقلالها وقدرتها على تسويق الوجه الآخر للثقافة العربية…

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة