اين ذهب فقه الطاعة؟!

دجن علماء الدين المجتمعات العربية والاسلامية مدة طويلة تحت شعار (طاعة اولياء الامور) ونال المجتمع السني العراقي نصيبه الوافر تحت هذا البند الفقهي ، فكأنما هؤلاء العلماء جمدوا النشاطات السياسية حتى في حالة حكم البلد بالحديد والنار والسيطرة على مقاليد امور المسلمين عبر الحكم الديكتاتوري ، وفي الوقت الذي كان العراق يحتاج الى اندماج السنة والشيعة لمواجهة الحالة الطاغوتية الصدامية والظاهرة البعثية لم يكن للفعاليات السياسية السنية حتى من كانت في خارج العراق أي تأثير في عملية المواجهة بل شكل علماء الدين حالة ردع لاي جهد معارض وقادوا الجماهير السنية لتكون عمقاً للطاغية ، ويتفق معظم المؤرخين للحالة الاسلامية بأن عدم بروز نشاط سياسي سني يواجه الطاغوتية الصدامية بسبب هيمنة فقه الطاعة على المجتمع متقاطعا مع الضرورة الانسانية الملحة المتمثلة بالعدالة الاجتماعية ، فليس هناك أي انسان ينكر انتفاء العدالة داخل المجتمع العراقي قبل 2003 ، ولكن الملاحظ ان فقه الطاعة واحترام السلطة تلاشى بعد العام 2003 وتحركت الجماهير مطالبة بحقوقها في زمن الديمقراطية ، تلك الحقوق التي لم تتحقق في زمن الدكتاتورية ، والاشد من ذلك تحول الخطاب السياسي للاحزاب الاسلامية ذلك الخطاب المعبأ بالمفاهيم الدينية الفقهية والعقائدية من خطاب وطني الى خطاب طائفي ، ففي حالة الحزب الاسلامي العراقي تتجلى هذه الحقيقة ، اذ يركز كتاب (الحزب الاسلامي العراقي – منطلقات ومفاهيم) الصادر عن الحزب الاسلامي عام 1995 على ضرورة نبذ الطائفية وخصوصاً في الجيش والاهتمام بالحالة الوطنية كبديل عن العبثية الصدامية ، في حين يتخلى الحزب عن هذه المطالبة بعد 2003 ويدعو جماهيره للمعارضة الشديدة بحيث تخرج الكثير من كوادره عن الاجماع الوطني والانتخابات –عدا الاستفتاء على الدستور- لترتبط بالجماعات المسلحة ، اما بعض قادته او الناشطين المقربين منه في اوروبا وتحديداً في لندن فيثيرون انواع الشبهات على التجربة العراقية الجديدة –وطبعا هي غير خالية من الملاحظات- ولكن ملاحظاتهم وتشكيكاتهم مرتبطة باهداف طائفية استقطابية بحتة ، ونحن اذ ننتقد محدودية الحراك السياسي والاجتماعي السني في زمن صدام بسبب مبدأ طاعة ولاة الامر ونضع علامات استفهام على الحراك ما بعد عام 2003 لا يعني اننا نريد اعادتهم الى ممارسة طاعة ولاة الامور جبراً او قهراً ولو سلبوهم حقوقهم او ندعوهم الى قبول العملية السياسية بكل ما تحمل من اخطاء ، ولكن نحاكم تجربتهم بين حقبتين وندعوهم لممارسة العمل السياسي والاجتماعي والتثقيف الديني على وفق المصلحة العامة التي تضمن العيش المشترك ، فمركب العراق يتسع للجميع اذا اخرجنا منه السيئين الذين يعبثون ببلادنا ولا نسمح للناس ان يتأثروا بدعايتهم التي ملؤها حقداً وبغضاء ، هذا هو المبدأ الذي يجب اعتناقه لانقاذ ما تبقى من وطننا الحبيب.
د.محمد نعناع

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة