الأخبار العاجلة

لم ينفع صراخي

خزعل الماجدي

لي خمرةٌ رخوةٌ
لكني سألجمُ هذا الفم وأتركه مغلقاً أمام الوثن
لم ينفع صراخي
ولم تنفع أشعاري
كلنا في الوهم
السجنُ أبعد وأكبر مما نتصور
سأعزفُ بصنّاجتي وأترك البغال تغني
فربما يزول القبحُ وربما يختفي السادة والعبيد
يجمّرني الليل وأكون مثل وردةٍ نابضةٍ في الظلام
وأدوِّن طلعي على المياه.
كانوا يدفنوننا تحت التراب ويشطبون أسماءنا
هنا وضعتُ العلامات على مواضع الهتك والرماد والجثث
الملقية في العراء وفي الأنهر.
هنا شرّقتُ مكتّفاً نحو أصولي وفكّكت العلامات الغارقة في
الدم، وكان المقتولون يتحسرون في صدري،
كنت أراهم كيف ينطرحون تحت رماد الأسلحة وأكاذيب
العقائد. وكانت البقاع تنهمر بأناشيدهم ويطرقُ البرق جرس
الأمشاج وينحني وتقدمتُ..
كانوا يلمّون أشعة الشمس من على السطوح ويضعونها في
السجون وكانت الكواغد توجّ بوجههم وتدوِّن عارهم.
تقدمتُ لامّاً جُعبي وسلالي، أما فايروساتي فقد كانت ثقوب
الأبدية وعريها المتصل، كانت ثقوب الحياة نحو العدم، كانت
أول كلمات الجمر.
الليل يقول لي سر بنا يا منشرح العرفان.. والقط هذه الأسرار
وضمَّها، وستخرجها للناس وأنت تغني غناء المراثي وأنا
أحملُ الخشفَ والقرطاس وما هطل من العذاب حتى انتشى
أصحّ الناس لانتشاء المستور في حكاياتي.. كنتُ أحملُ ما
يحمله لؤلؤ أو غاقٌ وأعجن ما يعجنه صانع الخمور التي تسكر
الوجود كله.

ربطتُ، إلى معصمي، سلاسلي

هذه المدن ترتجفُ الآن من معدنٍ سكَّ نقودها بالحرائق
هذه المدن المضروبة ببساطيل الجنود العائدين من قهرٍ لا
ينتهي
ربطتُ، إلى معصمي، سلاسلي
وواجهت أبطال الزمان بغصنٍ
ضحكوا طويلاً لكنهم سقطوا في الهاوية
رفعوا، كلُّ واحد، أخاً وأعطوه الشغاف إن بلغَ الباب
فيكونُ طاهراً مطهّراً ولذا ناحَ ولم يعد يضعُ سيفاً
قال لي وهو يمرقُ إلى الجحيم:
أجيزُ كل جودي قدّامكَ وأناديك ولا أندم وأتراءَفُ
على من تراءَف عليكَ وأرحمُ من أرحم.
حائكُ الكلمات هذا عرقانٌ لا يمنعه ليل ولا نهار فهو
من بسطَ سجادته الطويلة حتى نهاية الأرض
تحول جلجامش إلى راهبٍ وتاب
كلُّ مَنْ قلبه سموحٌ يضع الذهبَ أمامه
وكلُّ حكيم الرأي بينكم فليأتِ
وكلُّ من سمّحته روحه جاءَ بخزائم وأقراطَ.
وجدارةُ الترسيم لها شكل حيوان ولها شكل هلال
ومعلقةٌ على أبواب البيوت.
الليالي الممطرة أخذتني
يا جنون الشعر
يا حصتي من الأرض
بدأ الروح مشتعلاً بالبروق
لكنه ليس كذلك
ليس البهائم هي التي تصلبُ الإنسان
وليس الإنسان هو الذي يصلبُ الملائكة
الإنسان طاغية
الملائكة طاغية
رفعَ التلميذُ قُفّةً والآكلون هم قبل غيرهم تجاذبوها
صرخوا فللوقت كلّمهم.. عميٌ وشلٌّ.
في الميزان.. أصعد مرةً وأنزلُ مرات
ملأت يدي بالريح
ولم يعد معي أي كنز
الليالي الممطرة أخذتني
والعشاء الصغير الذي اعتدتُ عليه لم يعد
الطرق التي لن نرتادها أبداً
ما زالت تغوينا وتضع الزهور في رؤوسنا
رأيتُ الأحجار تملأ البيوت
رأيت النساء مجلّلات بالسواد
قف بعيداً أيها المحرّض على الموت
أوَتقرضُ القمرَ بمقصِّكَ وتُسيبُ الليلَ بلا عينٍ؟
ربما بدّدتك نفائس القبور
لكنكَ لم تستطع دفعنا للنسيان
تلكَ أعوامٌ منضّدةٌ تغمّست بها أقدامي بالوحلِ ثم
طهرتُها بالزيت
وبرغم أني سقتُ العربات بثقلةٍ وعويلٍ طويلٍ
فها هو بريقٌ يجمع الذي في القاع
لماذا فعلتَ هذا بنا؟
ألأنه ليست لنا مؤنٌ ولابيوتٌ ولادروعٌ
وليس لك قلب
فأخذتَنا بالسيوف صفّاً صفّاً.

السنديانة

السنديانة التي في وسط المدينة
تلك التي كنّا نضعُ عليها الزهور والذكريات كل يوم
تفطرت..
لأن جمالنا أصبحَ أقلّ
ولأن حريتنا قبضَ عليها حيوانٌ جريحٌ ولم يتركها
ولأن أسمالنا تكاثرت
ولأن كلامنا أصبح ثرثرة
هذه السنديانة التي تشبه معبداً أو طوطماً
ظهر في شقوقها نملٌ كثيرٌ
وسالت أصباغها
وشحبت الرسومُ عليها
عيوننا المريضةُ لم تساعدها على الصمود
وكذلك أرواحنا الخفيضة
والغبارُ الذي ملأ أدمغتنا
السنديانة التي كانت تنتصبُ وسط مدينتنا
مثل برجٍ أو سحابةٍ
تقلّصت فجأة
وأصبحت بحجم طفل في الثامنة
وازدادت مخاوفنا في أن تتحطم
وتظهر منها شرورنا
ويظهر دخاننا
وتظهر أوساخنا التي طمرناها فيها لقرون.

أجرُّ سلالاً من الخوف

أسمعُ السيفَ في حزام السيّاف وفي يده وشاربيه
كلّ يومٍ نهرٌ مدمّى وبيوتٌ تصيح
وكذلك المرايا التي جمعت حزننا تحطمت
وتشظّت ذاكرة المكان على شكل مسامير زجاجٍ
النهارُ الآدميّ ينشجُ وكذلك الليل
أرتكبُ جرحاً
وأمشي في خطاياه
أجرُّ سلالاً من الخوف
وأعبرُ حقل الموت
أفراحي في الطين
ألقطُ منها الندى
الزهور هي الوحيدة التي ترأف بي
فحين أحدق بها
تحدق بي
وحين أشمّها.. تشمّني
لا معنى للعالم من دونها
مثل مساءٍ خريفي أتوارى في عتمتي
وأتسلل إلى مرقدي
وهناك أحصي خطايا العالم
فأجدها لا تنتهي
هناك أحصي خطاياي فأبكي..
رياحُ الماضي تهبّ
وتجرف أوراق الحاضر
ولا خلاص من هذا القيد الطويل.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة