موت القانون سريرياً

سلام مكي *

عندما يغيب القانون في أي مجتمع، ويتحول الى سلعة معروضة في سوق السياسة، فلا يمكننا الا ان نقول: ان ذلك المجتمع تحول من مجتمع انساني الى مجتمع آخر! اذ ان صفة الانسانية، اصبحت تدور مع القانون وجوداً وعدماً. والافدح، هو سعي السلطة المكلفة بتطبيق القانون، لهذا الفعل. ان تطبيق القانون على واقعة ما، كفيل بأن يردع الآخرين، ولكن: اذا تم تجاهل القانون، وعدم تطبيقه على واقعة، فإن هذا حافز للأفراد، لممارسة ذلك الفعل لتيقنهم بأن لا احد يحاسبهم. ما حدث في الموصل من كارثة سياسية وعسكرية واجتماعية، هو جريمة بكل المقاييس، جريمة عسكرية وسياسية، مرتكبوها معروفون للجميع، وحتى اللجنة المشكلة للتحقيق في سقوط الموصل، تعرف جيداً المتورطين، لكنها تخشى اتهامهم، لكونهم من ذوي النفوذ والمنصب الذي يحصنهم من اي مساءلة قانونية. لقد مضى على سقوط الموصل، عدة أشهر، ولم يعاقب احد لحد الآن. سقوط الموصل، اكبر من جريمة سرقة او اختلاس، ولكن لو سألنا: كم قضية سرقة سجلت منذ حزيران من العام الماضي؟ هل سيسكت القضاء على جريمة اختلاس او امساك موظف وهو متلبس بالرشوة؟ قطعاً لا. اذن: لماذا سكت على ما هو اخطر واكبر؟ لماذا سكت عن جريمة تسببت بضياع المليارات من اموال الشعب وفقد جزء كبير من ارض البلد لصالح داعش؟ طبعا هذا السكوت، وعدم معاقبة المجرمين، تسبب بسقوط مدينة اخرى وهي الرمادي، فالرمادي، سقطت كما سقطت الموصل قبلها، وليس بمستبعد سقوط مدن اخرى مادام الوضع على حاله لم يتغير. لو عوقب المتسببون بسقوط الموصل، لما سقطت الرمادي. وفيما يخص الحكومات المحلية للمحافظات المحتلة من قبل داعش، نجد ان القانون جعلها مسؤولة عن امن مدنها، ووضع عقوبات لأي مسؤول يقصر في حماية مدينته من الاعتداء عليها. وبما ان المسؤولية مشتركة بين السلطة الاتحادية والمحلية، فيجب على القضاء محاسبة الاثنين. ففيما يخص الحكومة المحلية، ينص القانون رقم 21 لسنة2008 على احقية مجلس النواب في اقالة المحافظ بالاغلبية المطلقة بناءً على اقتراح رئيس الوزراء، لعدة اسباب منها: أ. عدم النزاهة أو استغلال المنصب الوظيفي.
ب –التسبب في هدر المال العام .
ج –فقدان احد شروط العضوية.
هـ – الإهمال أو التقصير المتعمدين في أداء الواجب والمسؤولية .
لنسأل: الم يقم محافظو المدن المحتلة بالتسبب في هدر المال العام؟ الم يهملوا واجباتهم الوظيفية؟ فلماذا لم يقم رئيس الوزراء بتوصية البرلمان باقالتهم؟ ولماذا يقال محافظ الانبار لمجرد انه جرح في المعارك ضد داعش؟ لماذا يعاقب الذي يحارب داعش، ويثاب الذي يسهل دخولها الى محافظته؟ لماذا الانتقائية في تطبيق القانون؟ للأسف، عندما ارادت السلطة تطبيق القانون، طبقته على من حارب داعش، ولكنها صمتت عمن وقف الى جانبها. مجلس الانبار، مطالب اليوم، بتطبيق القانون على المحافظ الجديد، مثلما طبقه على المحافظ السابق، ورئيس الوزراء مطالب بتوصية البرلمان بإقالة كل محافظ يثبت تعاونه او تخاذله في الدفاع عن محافظته ضد داعش، والبرلمان بدوره، مطالب بأن يمارس وظيفته في الرقابة على السلطات، وكذلك الادعاء العام المسؤول عن تطبيق القانون والتدخل في حال مخالفة احكامه من قبل السلطات الاخرى. للأسف، لقد اثبتت داعش للعراقيين، ان السياسي، لا يحترم القانون، ولا يطبقه، وانه يحتمي بكتلته من القانون، وان كتلته التي اقسم اعضاؤها على تطبيق القانون ومحاربة الفساد، نراهم اليوم، يحمون رؤساءهم وقادة كتلهم من تطبيق العدالة، على حساب دماء الابرياء. داعش بوصفها الخطر الاكبر، لم تنبه العراقيين الى واقعهم المرير، كما لم تساعد على وحدتهم في الاقل في هذا الظرف العصيب، لم تساعدهم في رمي خلافاتهم جانباً والتوحد سياسياً واجتماعياً، وفكرياً لمواجهة الخطر الاكبر، فداعش لو دخلت مدينة لقتلت السني والشيعي والكردي، فلماذا، لا يتحدون لدرء الخطر عنهم؟ لماذا لا يتحد سياسيو الطوائف في الخطاب والتجرد مؤقتا من الانتماء الثانوي لحساب الانتماء الوطني؟ لماذا، لا تلتفت السلطة القضائية الى الواقع المرير للعراقيين، خصوصا وهي المسؤولة عن تطبيق القانون وحماية ارواح الناس، ومسؤولة عن معاقبة كل مسيء ومقصر في اداء واجبه. للأسف، لقد تغلب السياسي على القاضي كما تغلب على غيره من مفاصل الدولة، وهذا هو المسبب الاكبر لكل المحن والانتكاسات التي يتعرض لها العراق. وعلى مدى السنوات الاخيرة، لم نشهد سياساً، خرج عن النسق العام، فطالب بمحاسبة رئيس كتلته او وزير ينتمي الى كتله، لم نشهد ان قاضياً اصر على تطبيق القانون بحق مسؤول، مهما كانت صفته الوظيفية، لم نشهد عملية تطبيق واحدة للقانون بحق سياسي فاسد، فالجميع محصنون من القانون، اما دستورياً او سياسياً. ان الاحداث المتسارعة التي يشهدها البلد، تؤكد بما لا يقبل الشك، ان هناك ضرورة لمراجعة الواقع السياسي والقضائي، والشعب العراقي، هو اول من يجب عليه مراجعة خياراته الانتخابية وان يعيد النظر في الاشخاص الذين جربهم طوال عقد كامل ولم يقدموا له شيئاً، وان يفكر بما هو ابعد من الاشخاص الى الفكر الذي ينتمي اليه السياسيون الذين لم يقدموا شيئاً سوى الدمار والخراب. علينا ان نعترف بحقيقة: ان القانون عبارة عن جثة، لا حياة فيها سوى انفاس مضطربة، مقيدة بأصفاد السياسة، ووجودها كما وجود الميت سريريا. فالقانون في زمن النظام السابق كان وحشا، كاسرا، يقضم اجساد العراقيين، ولكن بعد السقوط تحول الى كائن كسيح، لا حياة فيه، واليوم اصبح ميتاً سريرياً، وعلى الحكومة والبرلمان والشعب اعلان وفاته رسمياً.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة