لا تتحدثوا باسمه

سواء ان كنا قد تعرفنا اليه في البيت ام لا، فان الدهشة التي أحاطت بنظراتنا الطفولية في اول (رفعة علم)، غرست في أذهاننا كلمة (وطن). كان حفظ النشيد الوطني، ومازال واجبا وطنيا على كل طالب وطالبة، لايتحرر منه الا عندما يصل المرحلة الجامعية.
وكان بدن المغتربين وابناء البلد يقشعر أمام موال سعدون جابر (اللي مضيع ذهب بسوك الذهب يلكاه.. بس اللي مضيع وطن وين الوطن يلكاه).
كبرنا.. فارضعونا الوطن في قناني الصبر.. وصار طعمه يتغير من (موطني) الى (وطن مد على الافق جناحا).. ونكهته تبرد عندما شاركنا فيه (جدنا سعد) ونزل (القعقاع) الى الساحة، ليتحول الى (الله، الريس، الوطن). وبنحو غير مفاجئ.. غادر الوطن يجرجر اذيال (دشداشته) الممزقة بعد ان يئس حتى من تسول الحب من ابنائه.
لكن أبناءه يعشقونه.. سال دم الكثيرين منهم على حدوده واطعم آخرين اجسادهم لأرضه النهمة حتى وان كان ذلك رغماً عنهم.. وسواء ان كانوا يحفظونه نشيداً ام يفهمونه درساً فهم يعرفونه، على ساحات الملاعب، وان اختلفوا، يرفع أبناء كردستان علم العراق الى جانب علم الاقليم، وابناء الطائفة المسيحية في عين كاوه يهتفون باسمه، والنازحون في الرمادي وديالى والموصل وتكريت، وابناء بغداد وكربلاء والبصرة.. الجميع يصرخ (عراق) في كل مناسبة، اذن من الذي يطالب بالانفصال، ومن يريد الاقاليم، ومن يصرح ومن يعلن ومن يطالب؟
اسئلة لا تصعب الاجابة عليها اذا ما تابعنا تصريحات السياسيين في الاشهر الاخيرة في لقاءات وحوارات ومداخلات تلفزيونية واعلامية وفيسبوكية. يتحدثون كثيراً عن التسليح وداعش والطائفية والنازحين، يتحدثون كثيراً عن كل شئ، كلام بعضه مكرر وبعضه سقيم، وجديده قليل، كلام سطحي في الغالب، وفي النادر يمس العمق، وفي النهاية، هو كلام في كل شئ.. باسم (الوطن) ولكن بعيدا عن (الوطن).
عراقيو الخارج، ومعظم السياسيين منهم يعرفون تماماً انهم في دول الغرب، لايذكرون الوطن كثيرا او يغنونه، لكنهم يعملون لاجله ليلاً نهاراً، في حين لا نقدم للوطن سوى دموع أو شتائم ولعنات نصبها على يوم ولدنا على أرضه.
عادة يضع المسؤولون الاميركان على مكاتبهم اعلاماً صغيرة، لو أردت ان اضع علما على مكتبي فأي علم سأضع؟ العلم القديم (البعثي) والذي رافق طفولتي بنجماته الثلاث، ام العلم (الصدامي) بالنجمات و(الله اكبر)، أم العلم الجديد بـ (الله اكبر)!!
ماهو مقياس حب الوطن؟ ماهو الثمن الذي يجب ان يدفعه كل منا ليكتسب صفة (عراقي)؟ المذهب، الدين، الطائفة، القومية، الحزب، العشيرة، الجنسية الاجنبية، ترف الغربة، الولاء لمن يدفع، أم السكوت؟
وبانتظار ان تنجلي الغمة ونلتقي بالوطن ثانية، ف (السكوت من ذهب)، أما مايتشدق به بعض هواة السياسة ومغامريها من كلام (مزنجر) فهو كمن يسجد وهو ينطق بالكفر.. فليتهم يتحدثون تحت أي مسمى.. الا الوطن.
بشرى الهلالي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة