ما أُغفل في الأردن ..!

علي الصالح *

انشغلت الأوساط العراقية بانسحاب نائب رئيس الوزراء بهاء الأعرجي من المنتدى الإقتصادي العالمي الذي عُقد في الأردن عند حضور رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، فيما أُغفلت بقيّة القضايا التي طُرحت داخل المؤتمر، واللقاءات الجانبيّة التي عقدت على هامشه.
بطبيعة الحال، يكتسب الحضور العراقي في هذه المنتديّات أهمية خاصة، إذ أنه يُخرج العراق من العُزلة التي وضع فيها طوال العقود الماضية بسبب عنجهيّة النظام السابق وعبثيّته، ومن ثمّ بسبب الدمار الذي لحق بالبنية السياسية نتيجة الغزو الأميركي عام 2003، ومن ثمّ بسبب المشكلات التي واجهتها البلاد بعد ذلك، الأمر الذي وضع العراق خارج المنظومة العربيّة والدوليّة على حدٍّ سواء، ما ساعد في إضعاف التمثيل الدبلوماسي وأدّى إلى تهميش علاقات العراق مع مع دول الجوار والعالم.
في الواقع، يمكن عد هذه التحرّكات مثار للتفاؤل في بلد يقضم تنظيم «داعش» نحو ثلث مساحته، ويعاني نحو 30 في المئة من سكّانه من البطالة، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية التي بدأت تشدّ الخناق على رقاب الحكومة ومواطنيها؛ تأتي هذه التحرّكات بمثل هذه المنتديات للبحث عن مخارج للأزمات المتفاقمة، على العكس مما يسوق اعلامياً بعدّ هذه المشاركات هدراً للمال العام، وكلاماً في الهواء لا يُغني ولا يُسمن.
لقد أدركت حكومة حيدر العبادي إن العراق لا يمكن له التعافي من أزماته من دول تمثيل واعٍ في دول الجوار، وإجراء مناقشات منفتحة معها لتطويق خلافاتها الإقليمية خارج أراضيه، والعبادي الذي ظلّ نائباً في البرلمان لدورتين متتاليتين، يعرف تماماً أن البرنامج الذي عرضه على البيت التشريعي لا يمكن له التحقّق على أرض الواقع من دون دعم البرلمان، واستثمار علاقات الاعضاء المؤثرين داخله.
والحال هذا، فإن الإطار الذي يتحرّك فيه العبادي يمثّل مسألة تكامليّة لإدارة شؤون العراق الداخليّة والخارجية، وهذا ما كان غائباً عن المالكي الذي اشتبك مع رئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي، وانسحبت خلافاتهما إلى دول الجوار، وضيّعا على الجميع التحرك الدبلوماسي الكفوء في تلك الدول.
وبالعودة إلى المؤتمر، والذي حقّق حضوراً دوليّاً كثيفاً، فإن ما طُرح خلاله من قبل الأطراف العراقيّة مثّل خطاباً عراقيّاً موحداً، وقد أدرك سليم الجبوري، في الكلمة التي قدّمها، أن الحرب –وحدها- على تنظيم «داعش» لا يمكن لها أن تُعافي العراق، ويجب أن تترافق مع عمليّة بناء اقتصادي وفكري. يبدو هذا الطرح متكاملاً ومتفهماً للعلاقة العكسية بين سقف الإرهاب وسقف التنمية البشرية والاقتصادية، وهو يتماهى مع التجارب المُشابهة في العالم، مع الأخذ بالحسبان خصوصية التجربة العراقية.
لقد أدّى غياب الإعمار والتعليم وأساليب التطوير المعرفيّة في المناطق التي تم تحريرها من تنظيم «داعش» إلى عدم عودة النازحين إليها، وهذا ما فاقم الأزمة على الحكومة، وأدى الى هدر الكثير من الأموال على المناطق التي لجأ إليها النازحون بدلاً من الإنفاق على مناطقهم المتضرّرة.
انتبه الجبوري أيضاً إلى أزمة النازحين، وهي أزمة لم تشهد لها المنطقة مثيلاً من قبل، إذ يقدّر أعداد النازحين بنحو 3 ملايين ونصف مليون نازح، وهي من الممكن أن تتفاقم أكثر إذا لم تترافق مع خطّة لإعمار المدن إلى جانب العمليات العسكرية، و يجب أن تكون خطّة «إصلاحية» بحسب تعبير الجبوري.
ولكن الأهم من هذا كلّه، فهو تشخيص رئيس البرلمان لإحدى أهم «المشكلات» التي أدت الى اجتياح داعش الأخير لمدينة الرمادي، والتي لخصها بـ»فقدان وحدة القيادة في المعارك الجارية في محافظة الأنبار»، وطالما ان المعركة ما تزال في بدايتها، فان الانتباه المبكر لهذه المشكلة قد يقود إلى تشكيل قيادة موحدة تختزل زمن تحرير المدينة من براثن تنظيم «داعش» بأقل الخسائر البشرية والمادية الممكنة.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة