القائد والقيادة

لدينا قادة كثيرون لكن هل لدينا قيادة؟ بل لعل العدد الكبير للقادة يمنع قيام قيادة كفوءة، موحدة، مطلوبة وضرورية تستطيع ان تقود البلاد الى شاطىء الامن والسلام والتطور. لا نريد تقليل شأن المساعي المبذولة لبناء قيادة وقيادات، لكننا نعتقد انها معضلة تعكس ضعف المفهوم المؤسساتي للعمل، بل تعكس العجز في احيان كثيرة عن صحة وحسن اتخاذ القرارات.. وتفسر الكثير من حالات الفشل الاداري والاقتصادي والامني وفي العلاقات الوطنية والخارجية الذي طالما نقع فيه.
ولعل هذه معضلة كبيرة وقديمة في العراق، لذلك قال الشاعر المرحوم علي الشرقي.. «بلدي رؤوس كله.. أرأيت مزرعة البصل». ولعل ما حدث في الرمادي مؤخراً، وما حدث في الموصل سابقاً، وحالات الفشل الاداري او الاقتصادي او السياسي يعكس هذه الحقيقة.. فنسارع لالقاء المسؤولية على القادة، وقد يكون سبب ذلك فقدان مفهوم القيادة.
وهذه معضلة لا تعيشها الدولة فقط، بل قد تعيشها ايضاً القوى السياسية والتحالفات والائتلافات، بل التشكيلات الاجتماعية والعشائرية والرياضية والادبية والعلمية والاقتصادية والتجارية.. فتولدت ثقافة تحرص على ابراز القادة الاكفاء او الفاشلين، لكنها في اغلب الاحيان لا تحرص بالقدر نفسه على بناء القيادة. فمفاهيم واخلاقيات العمل المؤسساتي والقيادة المؤسساتية تتراجع، في مساحات كثيرة، لمصلحة المفاهيم الشخصية والفردية.. والله سبحانه وتعالى يوجه الرسول المعصوم في كتابه الكريم بقوله {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك.. فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر.. فاذا عزمت فتوكل على الله.. ان الله يحب المتوكلين}.
المؤسساتية لا تعني غياب دور القائد، بل تعني السياقات والاطر التي يعمل في اطارها القائد والقيادة.. فتوفير بعض شكليات القيادة كالانتخاب او اخذ الرأي لا يعني بالضرورة المؤسساتية، حينما يكون مضمونها السيطرة من جهة والتملق والخوف والجهل والمحسوبية من جهة اخرى. المؤسساتية لا ترعب وتخيف، ولا تستلب حرية الرأي المتخصص او المسؤول مهما كان مخالفاً، او تفرض الرأي غير المدروس من دون ان يبني جميع القادة والجهات صاحبة المسؤولية منطوق الخطة او الرؤية والسياسة الصحيحة المطلوب اتخاذها، ليأتي رأي القائد والقيادة خلاصة وتعزيزاً او تصويباً لتأسيسات كاملة ومتكاملة. المؤسساتية ليست المشورة لمرة او للحظة او في مسألة، بل هي بناءات العمل الذي يكمل بعضه بعضاً لتأتي النتائج وهي مؤسسة تأسيساً صحيحاً وناجحاً.
لقد رفعنا شعارات المؤسساتية والديمقراطية والدستورية، لكننا نبتعد عن هذه كلها بممارساتنا اليومية. فمفهوم القائد ما زال هو المفهوم الذي نغذي شعبنا بثقافته، والذي نملأ به تفاصيل اعمالنا. لذلك باتت القوة تعني فيما بيننا، وعند الرأي العام، تقديم القائد بصفاته السيئة او الجيدة، على المؤسساتية القائدة المسؤولة عن حسن اعداد الاعمال بكامل متطلباتها واستعداداتها، والحريصة على ان تتحرك خطوط العمل فيها متكاملة بمستلزماتها وتوقيتاتها. لتأتي الاعمال ناجحة بفضل دور القادة والقيادة معاً.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة