«مشروع الموصل».. التكنولوجيا تنقذ الآثار العراقيّة

700 صورة.. 543 منها لقطع من نينوى
بغداد ـ الصباح الجديد:
فقد العالم تحفا تاريخية لا تقدر بثمن في الآونة الأخيرة بسبب أحداث عدة، بدءا من العنف في العراق وحتى الزلازل في نيبال، وهو ما دعا مختصين في علم الآثار الإلكتروني Cyber-archaeology للعمل مع متطوعين على إتاحة رؤية هذه الكنوز ملونة وبأبعاد ثلاثية بمجرد النقر على أجهزتهم.
بدأ هذا الجهد بمحادثة بين اثنين من الباحثين الشباب في أواخر شباط الماضي، بعد أيام من تداول لقطات فيديو مروعة لمسلحي تنظيم داعش الارهابي وهم يهدمون ويحطمون الأعمال الفنية بمتحف الموصل في شمال العراق.
تشانس كوغينور وماثيو فنسنت طالبا دكتوراة يعملان لحساب شبكة التدريب الأولية للتراث الثقافي الرقمي، وهو مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي أنشئ خصيصا لتطبيق تكنولوجيا جديدة لقضايا التراث الثقافي.
يقول فنسنت لبي بي سي: «كنا نتحدث عن تدمير الآثار واقترح تشانس الاعتماد على «التعهيد الجماعي» (الاستعانة بالجمهور من لجمع المواد)، لإعادة تشكيل هذه الصور، وذلك باستخدام فن المساحة التصويرية وصور من الجمهور.»
وتعد المساحة التصويرية أسلوبا متداولا ومعروفا في مشروعات التراث الثقافي الحديث، ويستخدم أحد البرامج لتحويل صور متعددة ثنائية الأبعاد لشيء واحد إلى صور ثلاثية الأبعاد.
يقول فنسنت: «إنها تكنولوجيا مفيدة بشكل لا يصدق ويمكنها خلق نماذج ثلاثية الأبعاد من كاميرا رقمية عادية.»
وأدرك فنسنت وتشانس أنه إذا تمكنا من إيجاد صور للأعمال الفنية التي دمرت، فإنه يمكن إنقاذ تلك الأعمال من خلال نشرها على الفضاء الالكتروني.
ولذلك، دشنا «مشروع الموصل»، إذ يمكن للأشخاص الذين زاروا المواقع التي دمرت الآن – بدءا من متحف الموصل – تقديم الصور التي بحوزتهم، ثم يسجل المتطوعون بياناتهم للمساعدة في فرز الصور، ويتعهد متخصصون بمهمة إعادة بناء القطع الأثرية.
وحصل المشروع على أكثر من 700 صورة حتى الآن، بما في ذلك 543 صورة لقطع أثرية من الموصل. ويقدم معرض على الصفحة الرئيسية للموقع 15 صورة ثلاثية الأبعاد لقطع أثرية أعيد بناؤها من قبل تسعة متطوعين.
وقال فنسنت: «لدينا أشخاص آخرون حريصون كل الحرص على تعلم كيفية القيام بتقنية المساحة التصويرية»، مشيرا إلى أن هدفه الرئيسي في الوقت الراهن هو إيجاد الوقت لإدارة وتطوير هذا الموقع.
واستخدم المتطوعون التسعة بعض البرامج لبناء النماذج المقلدة، ومن ثم تحميلها عن طريق موقع sketchfab.
ولعل أبرز الأعمال الفنية في المعرض حتى الآن هو أسد من متحف الموصل. وحتى عندما كان التمثال نفسه لا يزال قائما، كان واضحا أنه يحظى بإعجاب كبير من جانب الزوار الذين كانوا يلتقطون صورا له. وتلقى الموقع نحو 16 صورة للأسد، وهو ما يسمح للمتخصصين بإعادة بناء التمثال على نحو تفصيلي.
وقال فنسنت: «كلما كان لديك مزيد من الصور، كلما زادت إمكانية إنشاء المزيد من النقط ثلاثية الأبعاد».
ولا تتطابق النتائج النهائية تماما مع ما كان يمكن للعلماء تحقيقه في حال امتلاكهم لمعدات متخصصة في فحص القطع الأثرية، لكنها تبقى قطعh فنية رائعة أعيد بناؤها من خلال الاعتماد على تجميع البيانات من الجمهور.
وقال فنسنت: «هذه النماذج لن يكون لها نفس القيمة العلمية التي كان يمكن أن تكون عليها لو استخدمنا كاميرات دقيقة ومسح ضوئي بالليزر، وغيرها من التقنيات، لكن النماذج ثلاثية الأبعاد لا تزال تتمتع بقيمة التجسيد – القدرة على رؤية الأعمال الفنية كما هي.»
وأضاف: «يمكننا تكرار تجربة زيارة المتحف، ولكن عبر الفضاء الإلكتروني».
وتقدم هذه التجربة رؤى وأفكار فريدة من نوعها. ويعطي فنسنت مثالا على ذلك بتمثال الأسد المهيب، الذي صمم بشكل يبدو رائعا من خلال الرؤية ثلاثية الأبعاد.
يقول فنسنت: «لو نظرت إلى نقش تمثال الأسد، ستلاحظ أن لديه خمسة أرجل. أما لو نظرت من الجانب، فسترى أن لديه أربعة أرجل وفي وضع الحركة، وإذا نظرت إليه من الأمام ، فسترى كما لو كان الأسد يقف ساكنا.»
وأضاف «هذا جزء من تاريخ الفن الآشوري. وبالمثل، لو نظرت عن كثب إلى جانب نقش الأسد فسيمكنك أيضا رؤية الكتابة المسمارية.»
وللأسف، لن نعرف أبدا مدى دقة هذه النسخ الرقمية – لأن النسخ الأصلية دمرت، على حد قول فنسنت، الذي يضيف: «لا يوجد لدينا جميع المعايير التي نحتاج إليها لمعرفة مدى دقة تلك النماذج».
ووصف روجر ماثيوز، أستاذ بجامعة ريدينغ في إنجلترا، هذا العمل بأنه «مشروع رائع»، مشيرا إلى أنه كان هناك جهد مماثل بعد نهب المتحف الوطني في العراق خلال الغزو عام 2003.
وأضاف لبي بي سي: «من الواضح أنه سيكون من الأفضل عدم الاضطرار للقيام بذلك، لكن من الرائع أن نرى هذا الجهد وأن يجد الناس التمويل والمشاركة العامة حتى يكون ذلك ممكنا.»
وأشار ماثيوز إلى أنه من المهم أن نرى القطع الأثرية بالموصل كجزء من صورة أكبر لتراث ثمين ومهدد في المنطقة.
وأضاف: «من الواضح أنهم نهبوا متحف الموصل ودمروا العديد من التماثيل وغيرها من الأشياء، لكنهم فجروا أيضا قصر الملك آشورناصربال الثاني في نمرود، الذي كان مصدرا لكثير من الأعمال الفنية في هذا المتحف».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة