رماد الطائفية وحرائق الأنبار

سلام مكي*

النار التي اوقدت في الاعظمية قبل ايام، تحولت الى رماد، قبل ان تنال جسداً عراقياً واحداً، وهذا الفضل يعود الى العراقيين الذين، ادركوا حجم المؤامرة التي تحاك ضدهم، ومن قبل اشخاص يدعون انهم مدافعون عنهم. ما حصل في الاعظمية من احداث مؤسفة، ما هي الا سلسلة طويلة من محاولات سياسيين وارهابيين ولصوص، اشعال حرب طائفية، بين مكونات العراق، وكانت هذه المحاولة، التي دبرت بنهار، وبإمكانيات ودعم، وعقول، لو استعملت في مجال الخير، لأصبح العراق دولة متطورة بكل شيء. فثمة اسئلة كثيرة، ومحيرة، حول الاحداث. الاول: لماذا استهدف مبنى الاستثمار من دون غيره؟ هل يشكل المبنى اهمية رمزية بالنسبة للطرف الاخر حتى يتم استهدافه من قبل المهاجمين؟ لماذا لم تحدث المشكلة قرب مرقد الامام ابو حنيفة مثلا؟
خصوصا وان له قدسية اكبر من قدسية مبنى دائرة الاستثمار! هل يدرك المتسبب بالحريق، ان ضريح الامام الاعظم، يمثل خطأ احمر للجميع؟ بحيث يتفاداه الكل؟ وهل غابت عنه، مسألة وهي: ان هدفه كان من الممكن ان يتحقق، لو اشعل النار في مكان آخر؟ ام ان اشعال الحريق قرب مبنى الاستثمار له غايات آخر، غير اشعال الفتنة بين العراقيين.
في احد المواقع الالكترونية، نشر خبر بعنوان: دعوة لشمول التحقيق بحادث الاعظمية سبب حرق مكتب العقود بالذات! في هذا الخبر، تم التساؤل عن السبب في استهداف هذا المبنى الذي يضم العقود التي ابرمها الوقف السني؟ وهل هناك اطراف لها مصلحة في حرق اوراق العقود؟ وبدورنا نسأل: هل هناك مصلحة لدى زوار الامام الكاظم عليه السلام بحرق مبنى يضم عقوداً ابرمتها جهات تابعة للوقف السني؟ على الحكومة والجهات القضائية ان تشكل لجنة للتحقيق في الاحداث، تكون مختلفة عن بقية اللجان التي كانت وظيفتها الاساسية تمييع القضايا والتكتم عليها واسكات الرأي العام.
نعم ان الاحداث التي شهدتها الاعظمية، تحدث مثلها يومياً في مناطق اخرى من البلد، وترافقها حالات قتل وازهاق ارواح، حالات افدح من حادثة الاعظمية بكثير، ولكن: هذه الحادثة، لها غايات تتمثل اضافة الى قتل العراقيين: اشعال الفتنة واحياء الطائفية، والانتقام، بين مكونات الشعب العراقي.
لكن الذي حدث، هو الطريقة السليمة التي تعاملت بها الحكومة مع الازمة والتي تمثلت بتطويقها ووأدها قبل ان تستفحل، اذ قام السيد رئيس الوزراء بزيارة الاعظمية والايعاز الى قوات الامن باعتقال ومحاسبة المتسببين في الاحداث. وما لوحظ بعد احداث الاعظمية هو الهجوم الكبير الذي قامت به داعش على الرمادي وتسبب في سقوط اجزاء مهمة منها ومحاصرة العشرات من العائلات هناك. هذا الهجوم الوحشي على مدينة الرمادي، كشف بما لا يقبل الشك ان الامر عبارة عن خطة محكمة، تتمثل بإشعال ازمة طائفية في اثناء الزيارة ومن ثم الهجوم على الرمادي. وللأسف، تم تنفيذ الخطة برغم فشل الفتنة وعدم اتساعها، اذ ان الرمادي على وشك السقوط بيد داعش، في وقت لم نسمع الاصوات التي صرخت من اربيل وعمان وانتفضت لحرق بناية، لا يعلم من قام به، لم نسمع الاصوات ذاتها برغم ما فعله داعش من قتل وتشريد وتهجير ضد المدنيين العزل، ومن الطائفة التي يدعي هؤلاء انهم يدافعون عنها. اليوم تعاني الرمادي من خطر كبير يهدد الاهالي ويهدد بقية المدن العراقية، هذا الخطر، لو استشرى في بقية اجزاء الجسد العراقي، لما بقي عراقي الا وهجر من بيته ومدينته. داعش التي يفضلها الكثيرون على الحشد الشعبي، اليوم على الابواب، وهي على وشك ان تسيطر على ثاني محافظة بعد الموصل.
وللأسف، داعش، لم تتسبب في توحيد المتخاصمين في الاعظمية والكاظمية، ربما لم يدركوا بعد، ان داعش ستقتل الجميع، ولا تفرق بين ضفة واخرى! اما بالنسبة للسياسيين، فيبدو ان الامر لا يعنيهم، مادام الجاني، ليس من الطرف الآخر، ذلك ان كرامتهم وغيرتهم لا تنتفض الا حسب طائفة الجاني، فاذا كان من الطرف الآخر، فسوف يصرخون باعلى اصواتهم، وسوف يشكون الظلم والاضطهاد من الطائفة الاخرى، مهما كانت الخسائر، حتى لو كانت مجرد حجر، اما اذا كان الجاني من جهة اخرى، حتى لو كان داعش، فسوف يلزمون الصمت، علماً ان المجنى عليه، من طائفتهم في كل الاحوال! الرمادي، تكاد تسقط، والمسؤولون عنها، يرفضون دخول الحشد الشعبي، كما رفضوا تواجد الجيش سابقاً في المدينة، وفي الوقت نفسه ، يحملون الحكومة مسؤولية سقوط مدينتهم، ويرفضون ان يتحملوا جزءا من المسؤولية، يرفضون الدفاع عن مدينتهم، الا بشروط! ومن هذه الشروط هو ارسال السلاح لهم ليقاتلوا به وحدهم! السلاح يرسل الى مجموعات عشائرية، لا يعرف انتماؤها وولاؤها، ويراد منها ان تقاتل بهذا السلاح داعش، وهي نفسها لم تستنكر افعال داعش يوما! المشكلة في بعض المحافظات العراقية ان سياسييها، ينظرون الى الاخر على انه غريب، وغير مرحب به في محافظتهم، ولا يسمح لأحد غيرهم بالعمل هناك، لأن مفهوم الدولة، لم يترسخ في اذهانهم بعد، لم يستوعبوا التغيير، ومازالوا بالعقلية القديمة. ربما يشكل هؤلاء الساسة خطراً على العراق اكبر بكثير من الخطر الذي تشكله داعش.

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة