شائعات سردية

قد يبدو أن كتابة الرواية باتت تعبيراً حميماً عن تغيّر في الذائقة العربية، ولم يعد الشعر هو الديوان الأكبر في التعبير عن (صناعتنا القومية) وعن مجلسنا الثقافي، ولعل صدور آلاف الروايات لكتّاب عرب خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين هو تأكيد لهذا التحوّل الإجناسي في الكتابة وفي الذائقة، وحتى النقاد والباحثون أخذوا الأمر على معطياته الظاهرة، وراحوا ينسجون لـ(فقه) الرواية مرجعيات يتعالق فيها التاريخ مع السرد، مثلما هو إجتراحهم لنظريات ومناهج نقدية تعظّم من الجنس الروائي، وتعدّه تعبيراً عن سلسلة من التحولات التي تمسّ النص والمكان/ المدينة، والشخصية، فضلاً عن كونها تعبيراً عن تعالقات ثقافية تمسّ أيضاً فعاليات الترجمة والتناص والدرس الثقافي الأكاديمي والعلاقة مع الآخر عبر المؤتمرات والجوائز والمسابقات الثقافية والبحث العلمي المشترك، وكذلك عبر المشاركة في معارض الكتاب الدولية..
لكن هذه المعطيات لا تعبّر عن كل الحقيقة، فالكثير من تلك الروايات لا تملك شرطها الفني، ولا الإجناسي، وأنها لا تعدو سوى كونها جزءاً من سرديات الشائعة الثقافية، وتعبيراً عن هشاشة البنى المؤسسية وآليات فحص النصوص، واتساع غير مهني لدور النشر الأهلية، والتي تطبع الكتب من منطلق حاجات السوق وتجارته، وهذا ما أسهم الى حد كبير في تعويم هذه الظاهرة، والتي قد يعدّها البعض جزءاً من مظاهر الخراب الثقافي الذي تعيشه حياتنا العربية.. مثلما قد عدّها البعض الآخر أكاذيب سردية مضللة، تلك التي قد تكون عتبة لإعادة إنتاج مهيمنات كبرى، أو شائعات كبرى تلامس أزماتنا السياسية وصراعاتنا الطائفية والاجتماعية، والتي ستشاغل قارئها على أساس أنها تعبير عن معطى تاريخي جديد، أو إنها نصيات مفارقة تعكس أزمة العقل العربية إزاء إشكالات الجسد والحرية والمقدس والتابو والسلطة والتاريخ والخطاب الديني..
تسويق الأكاذيب واحدة من أكثر تشوهات الكتابة الروائية المعاصرة، إذ تحولت تلك الكتابة إلى ما يشبه الشائعة فعلاً في سرعة كتابتها وطبعها ونشرها وتسويقها، وبات التنطع المفاهيمي والإصطلاحي عند البعض من الروائيين والنقاد نوعاً من الهرب الى الأمام، وتعويماً لوعي الكتابة ومعاناتها وظروفها والتي تفترض وجود تأسيس وتقانات ومهارات للتعاطي مع مستويات الزمن والمكان والحدث والشخصية، حدّ ان البعض من كتّاب النقد اليومي في صحفنا العربية أخذ يمارس تسويق هذه الوظيفة الإعلانية لحسابات معروفة، ولأوهام تكشف محدودية وعي هؤلاء، أو ربما إصرارهم البيروقراطي والغرائزي على الترويج لصناعات معلولة، لكنها مضخمة بمواصفات المرجعيات الجنسية والسياسية والتي كثيراً ما تتحكم بصناعة خطابات ثقافية معروفة، ومنها ما يخص الترويج للسرديات الروائية!!!
سرديات الشائعة هي المرض العربي المقبل، لاسيما وان السرد أضحى بديلاً عن التاريخ، وأن (سرديات الجماعات القومية) وجماعات كتابة روايات الجنس صارت هي الخطاب المقبل للإعلان السياسي والنفسي وحتى الطائفي..
أجهزة المخابرات العربية انتبهت إلى خطورة (الشائعة السردية) فعمدت الى التحريض على مثل هذه الصناعة السرية، وباتجاه يقوم على تبني الترويج لسرد ضدي لتاريخ جماعات معينة، والى ابتكار وثائق لتشويه متخيلها السردي لتكون جزءاً من خطاب الكراهية، مثلما هي جزء من المشغل الميتاسردي بوصفها المغامرة الفاضحة في تدوين نصيات ما بعد الحداثية.
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة