في ثقافة الاستقالة

قدم وزير العدل المصري محفوظ صابر استقالته وذلك بعد تصريحات تليفزيونية وصفها الكثيرون في مصر، بـ»العنصرية والمسيئة للفقراء»، إذ كان الوزير قد قال في حوار تليفزيوني إنه لا يجوز أن يتقلد أبناء عمال النظافة مناصب في القضاء. وبرر رأيه بأن ابن عامل النظافة «سيصاب بالاكتئاب ولن يستمر» في الوظيفة إذا عُين قاضيا. واضاف «مع احترامي لكل عامة الشعب، للقاضي وضعه وضروري أن يكون مستندا إلى وسط محترم.» وقال الوزير، معتذرا، في وقت لاحق لرئيس الوزراء ابراهيم محلب إن التصريحات التي خرجت منه «لا تعدو كونها زلة لسان». وقالت مصادر حكومية إن صابر تقدم باستقالته «احتراما للرأي العام».
والموقف يمثل نوعا من انواع الثقافة السياسية والاخلاقية معا ، التي يمكن تسمينها بثقافة الاستقالة، وهي ثقافة تعبر عن احترام الآخرين واحترام النفس معا، بسبب موقف يعتقد انه اساءة لشريحة اجتماعية، او فشل في موقع مسؤولية. وقد كتبت قبل فترة حول هذا الموضوع أرى من المناسب اعادة بعض الافكار في هذه الثقافة ، خصوصا وان تجربتنا على العكس مما هو منطقي ، فالفاشل لدينا عادة مايتبوأ ، حسب عادل امام، مناصب اكبر واعلى «تثمينا» للفشل الذي قدمه للمجتمع كهدية سياسية او مهنية أو اخلاقية والامثلة كثيرة وحاضرة بيننا بقوة !!
«يوكيو هاتوياما»معظم العراقيين لايعرف عنه شيئا، ولولا صلتي المباشرة بالاخبار و»طلايبها» لما عرفت شيئا عن الرجل. باختصار انه رئيس وزراء اليابان الذي استقال من منصبه الرسمي ومن رئاسة حزبه في حزمة واحدة العام الماضي. وكما يقال الامثال تضرب ولا تقاس حتى لايساء فهم كلامنا هذا بانه موجه الى شخص ما أو جهة سياسية ما.
انموذجان لثقافة مازالت بعيدة عنّا ملايين السنوات الضوئية «قياسها على ما أظن 168 الف ميل في الثانية». الرجل، الذي يبلغ من العمر 63 عاما قال في قرار استقالته بعد اعتذاره للشعب»انني انتهز الفرصة لاعتذر عما سببته من ضيق كبير للشعب، واقر بان عمل الحكومة لم يفهمه الشعب جيدا، لقد فقدنا اصغاءه»، والفترة الزمنية التي حكم فيها يوكيو هي ثمانية اشهر فقط وليس ثماني سنوات .. ياللمصادفة !!
السلطة مازالت لدينا وعند غيرنا، مغرية وجذابة، لكن الفرق بيننا وبين العالم المتحضر بثقافة الاستقالة، ان اغراءها وجاذبيتها، مرتبط دائما بحضور الناس في محافلها، في استجابتها لطموحاتهم، في تحقيقها لوعودها الانتخابية، في تفرغها لهموم الناس ومشكلاتهم ومعاناتهم، اغراؤها في نجاح برامجها وتأييد الناس لها، في حين ان اغراء السلطة لدينا وجاذبيتها، مقترن شرطيا بالامتيازات والجاه والتمسك بقوة الكرسي وسلطانه.
لكي تقيل الحكومة مدير شرطة في محافظة ما، تتحول القضية لدينا الى أزمة سياسية، وتغيير مدير عام من كرسي الى كرسي آخر، هي عملية اقصاء وتهميش ومحاصصة وطائفية.
وفي كل الجو العام العراقي الملتبس، وتقارير الفساد، والاحالة الى القضاء، لم اسمع شخصيا، وربما يشاطرني في جهلي هذا الكثير، ان مسؤولا عراقيا قدم استقالته على خلفية فساد مالي في وزارته، ولم اسمع ان مسؤولا عراقيا كبيرا كان أم متوسطا، تحلى بجرأة كافية ليظهر من على شاشات الفضائيات، لا لكي ينظّر ويستعرض، لكن ليقول كما قال يو كيو»لم يعد احد يصغي الينا فلنترك الكرسي لغيرنا».
ربما نتجنى على حقائق الواقع العراقي عندما نطالب ان يقوم المسؤول الفاشل في مهمته، بتقديم استقالته من تلقاء نفسه، فيخسر الامتيازات، المادية منها والمعنوية، خصوصا وان ليس ثمة مجال لمقارنة خسارته المادية أمام احترام الشعب لجرأته، وتغليبه المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. البحث عن مسؤول من هذا الطراز في هذه الظروف يبدو ضربا من المستحيل.. وفي كل الأحوال، لاأعتقد باننا سنسمع اخبار استقالة قادة، لاننا صراحة لم نعد نصغي للمسؤولين»ورحم الله يوكيو الذي ذهب الى بيته وهو يعتقد بأن المواطن الياباني، يدفع اجور الطاقة الكهربائية لصاحب المولدة الذي يتلاعب بأعصابه!!
عامر القيسي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة