الأخبار العاجلة

إزاحات المعنى ومتغيرات المفهوم في «طائر القصب»

عبدالجبار خضير عباس

عن دار ومكتبة عدنان، صدرت مجموعة قصصية بعنوان “طائر القصب” للقاص كامل الدلفي، توزعت بين قصص قصيرة جداً وقصص قصيرة.. ما يميز النصوص مشترك جامع يشير إلى أن الشخصيات في غالبيتها مسحوقة، أو مهمشة، أو متشظية، أو حائرة، أو مقموعة حتى إنها من دون أسماء وأحياناً زائفة مثل نص (فزاعة)…الأشياء من جماد ومكونات هي في النصوص مؤنسنة تمتلك روحاً، يتعامل مع الصخر مع الملابس بوصفها تملك طاقة ما تتفاعل مع البشر لا يوجد ثمة (سوى) والسوى هنا بالمفهوم الصوفي، تعني أن المتصوف لا آخر له، بل هو معزول عن الآخرين كل شيء ما عداه يشكل سوى بالنسبة له، أي ما معناه يساوي البشر بالحجر وبالشجر وبقية الأشياء…المرجع الخارجي قراءات انطباعية للمشاهد السوسيولوجية، ومهيمنات القوة، والمحركات الأنثروبولوجية…النصوص تشاكس المألوف وتنظر للمحيط والقناعات، والسرديات النهائية والأفكار برؤية معاكسة وبأكثر من صورة، كما هو الحال في قصة (نيوتن) إذ المشاكسة للمنطق تستفز المتلقي لتأملها. كذلك وظف التلميح كما في نص (كائنات أخرى) “هل أن الغجر مثلنا يا أبتي؟ -لا يا بني فهم لا يقتلون أحداً”. استثمار الشكل والتنقيط والفوارز يظهر لك بشكل واضح في قصة (ممسوس) التي تبدو كأنها أحجية. وظف التناص بشكل لافت… حيث يمكن ملاحظة التناصات التي اعتمدت على النص القرآني، وشطحات المتصوفة، وغيرها …عبر تنوع التناص منه المباشر والخفي والمعاكس، إذ يستعمل التناص كوسيلة للتكثيف فضلاً عن توظيفه كمفتاح لتفكيك شفرات النص… مثلاً في نص (يوسف) يبدأ التناص من العنوان ثم في المتن مفردات تشير لقصة يوسف في القرآن…الإخوة، الذئاب، الأب البصير،العزيز، زليخا، بوصفها رمزاً للمرأة وفي قصة (مرفوع بالكسرة..الخ) همّت به فهمَ، وفي (عشق بصوت عال) انتبذت منهم مكاناً قصياً، وفي (إنمي- فاس) في المهد صبياً، وفي نص (الطوفان) انفلاق التنور… التناص المعكوس في (ذوبان صوفي) أو (كفن أسود) وثمة تنوعات أخر للتناص. اخترنا هذه المقاربة النقدية المختارة لقراءة بعض النصوص وعلى النحو الآتي…. عناق كادت تطير فرحاً، وهي تضمه إلى صدرها…حبيبي !! أمطرته قبلات، لم تزل ترفرف وتدور في السماء تبحث عن وجهه، فقد نسي رأسهُ في ساتر على حافة الحرب. بدأ النص بجملة فعلية تشي بحدث عبر صور مكثفة وصفت فنطازيا الموت… إذ أصبح الحصول على جثة حتى من دون رأس، يوفر مساحة من السعادة…سخرية مرة، وحالة تهكمية من تنوعات الموت الغرائبية التي لا تفسير لها ولا من حل. فزاعة في المقهى وضع رأسَهُ على كتفي، انتفض وخرج.. نسي رأسَهُ على كتفي لم يعد ثانيةً… صرتُ أكرهُ الخروجَ من المنزلِ، فأنا كفزاعةٍ تخيفُ الصغارَ كم أنا مشوهٌ برأسين؟ توظيف المكان هنا كدلالة عن فضاء يحتوي العاطلين، أو غير الفاعلين اجتماعياً وفي الوقت نفسه هو المكان المناسب لاصطياد المخلوقات القابلة لأن تتحول لأدوات قتل، ورعب، وخوف… (نسي رأسَهُ على كتفي)، هنا الرأس يرمز للفكر الاقصائي، العدواني…لكن هذه الأفكار لم تهضم تماماً من قبل الراوي، فتحول إلى شخص يعيش حالة صراع أو ازدواجية بين أن يكون إنساناً أو وحشاً، إلا أنهُ مدرك يشعر كأنهُ فزاعة لا يخيف إلا الصغار وهو في الوقت ذاته شخصاً مزيفاً فقد هويته الإنسانية…هذا إذا أولنا السياق الدلالي في النصوص أو المناخ المرجعي الخارجي.. لكن النص مفتوح على قراءات أخرى تشمل الإملاءات لسلطة المعرفة والنفوذ التي تجعل الآخرين يعيشون حالة من الازدواجية القهرية.
تفاحة نيوتن لم تسقطْ التفاحة على رأس نيوتن، بل هو منْ مد قامتهُ إليها فصنع لأسمهِ جاذبية فريدة.
سبق وأن كتبت عن هذا النص وسأعيد بعضاً منه هنا… يستفز النص المتلقي بقوة لا تأمله.. يشاكس وعيك بإلحاح، لِمَ يا ترى خرق المألوف والسائد على وجه المعمورة؟ هل ليقول لنا أن هذا العالم زائف حتى لو جاء عبر حقيقية علمية أو أن الفرد بقراراته الذاتية يستطيع حتى إن يغير السائد الكوني؟، لكنه يرى ضرورة خرق المألوف لصناعة ذات فاعلة مختلفة، تعتمد على وعي داخلي فردي يؤثر بالمحيط الخارجي فيغيره.. ودلالة النص هنا لم ترد في سياق نص يتكئ على وعي تأريخي كما اعتدنا أو هو ديدننا سوسيولوجياً؛ لأننا ماضويون بامتياز بل أحالنا إلى آنية قضية علمية كونية؛ إذ هو يتحدى قانوناً فيزيائياً أجمع أهل المعمورة بيقينيته، إلا أنه هنا تقاطع مع هذه اليقينية التي تعد أعلى مراحل الإيمان.. وأزاحها عن محور ارتكازها الراسخ في بنية العقل الجمعي.. هو يقف بكفة مختلفة إزاء الآخرين أجمعهم، فتحرر بذلك من هيمنة المعنى المفروض خارجياً إذ بلور معنى داخلياً فرض به دلالته على بنية ثقافية وعلمية سائدة.. وطالما شاكس بآلياته اللغوية لذلك نجده هنا استطاع أن يفجر حقيقة علمية ويحولها إلى مجاز مفتوح على فضاءات قابلة للتأويل المضاعف خارقاً الركام المعرفي وقوانينه وتابواته لاسيما الرؤية العالمية الفيزيائية التي أطرتها “تفاحة نيوتن” للجاذبية الأرضية بوصفها الرؤية الوحيدة، والمطلقة ليهشمها، ويفرض علينا رؤية جديدة، ويزحزح قناعات راسخة وراكدة تمتد لزمن بعيد.. هذا الاختزال لتفاحة نيوتن هو رمزية لجميع اليقينيات حتى لو كانت علمية فهي بحاجة لقراءة حداثوية تنسجم مع ضغط التحول، والتغيير الحاصل في جميع الصعد الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والثورة المعلوماتية، والاختراعات التكنولوجية …
ذوبان صوفي سأل شيخَهُ: هل أن الله راضٍ عما نفعل يا سيدي؟ -طبعاً… ألا ترى أننا نخبئ أسلحتنا في بيتهِ؟
نلاحظ هنا الإزاحة في المكان، ودلالة المعنى بتوظيف التناص المعكوس حيث يتحول بيت الله إلى وكر شيطاني عبر سخرية مرة تظهر أن كل أيديولوجيا تنظر للأمور بعين واحدة، ولها تفسيراتها التي هي في غاية الذرائعية، واليقينية بوصفها مالكةً للحقيقة، وتمتلك التفسيرات المطلقة وحدها…
أحلام متبادلة
حمد الله على نعمة الانفكاك من دائرة حلم سريالي كان قد تحول في غضونه إلى سحلية (أبو بريص) واقتنص ما شاء من حشرات… أبو بريص هو الآخر وفي حلم يقظة يكمن قرب قاعدة المصباح حتى يغرق في حلم التحول إلى جسد بشري. هذا ملخص قصة أحلام متبادلة التي كتبت برؤية كافكوية تنتهي بشعور كليهما بالرعب والقرف المتبادل لرفضهما التخلي عن حالة جبلا عليها.. تكنيك عالٍ في تكثيف الصورة والفكرة ودلالة المشهد مفتوحة على قراءات عديدة أبرزها أن السحلية سعيدة ومتصالحة مع هيئتها وتكوينها المبرمج أنثروبولوجياً حتى لو كان التحول إلى إنسان هذا المتباهي بصنع المركبة الفضائية وتكنولوجيا النانو والثورة المعلوماتية.
قصص (عشق بصوت عال) و(إمبريالي) (إنمي- فاس) و(القرد العاشق) قصص تعبر عن تجربة عشق حقيقية واحدة مستوفية جميع اشتراطاتها ولكنها وظفت التكنولوجيا كوسيط يتلذذ فيها العاشق بمعاناته …”زفراتي العميقة عن حبي المتفجر نحو امرأة… جنوني المستعر لحظة فراقها… سايرتها في فكرة الالتصاق الأبدي. حتى يصاب بهوى غانية من البربر… هنا نكتشف أن حبيبته المتيم بها كائن (فيسبوكي) يمضي معه ساعات طويلة في اليوم الواحد ذوبانهما المتبادل والمتجمر يتحول إلى قطع شعرية، أي نحن أمام حالة تفاعل التكنولوجيا مع المشاعر الإنسانية حيث العشق مفضوح في فضاء الذبذبات وحزم الضوء… لكنه يلخص هذا الحب الذي يأتي ولا يأتي في قصة (القرد العاشق): اختار لها عنوان القرد هنا الدال يحيلنا إلى مدلوله بوصفه حيواناً لكن هذا المدلول هو دال أيضاً يحيلنا مدلوله إلى الرؤية الداروينية ونظرية النشوء والارتقاء عبر السياق الدلالي للقصة، أي أننا مبرمجون للبقاء، أفعالنا العاطفية غير خاضعة لمنطق، بل هي تمظهرات نوازع جبلنا عليها خارجة عن الإرادة. تنتهي ولا تنتهي.. قصة الحب هذه حين حولا رسائلهما المتبادلة إلى أعمال أدبية! ” أحسست أن صديقي مؤمن بأن الحب الواقع بيني وبينها، هو حقيقة مستقرة ومن المسلمات الإيمانية.. في حين هو في الحق مجرد تمرين مكثف في التطور السردي، فقد أنجزت مجموعتها الشعرية الحاصلة على جائزة الدولة التقديرية في بلادها عبر الحوار معي في لعبة العشق، أما أنا فقد أنجزت حوارات روايتي الثانية جميعها عبر مراسلاتنا الغرامية… هذه القصة وكأنها ترجمة لمقولة هنري ميلر: “إذا أردت أن تنسى حبيبتك حولها إلى نص أدبي”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة