الأخبار العاجلة

الثقافة بين البداوة والتمدن

كان العراق يحتل مكانة ثقافية رفيعة المستوى قبل عقود من الزمن على الصعيدين الإقليمي والعالمي. هذا الأمر موثق ومؤرشف ليس بالعراق فقط وإنما بالدول العربية والإقليمية وربما على الصعيد العالمي. يحتل العراق هذه المكانة المميزة ليس لكونه منتجا للنصوص الأدبية الجديدة فحسب، خصوصا في مجال الشعر، وإنما لكون العراق مهدا حضاريا يشمل التاريخ الإنساني القديم والحديث. تنظر الدوائر الثقافية بالعالم أجمع إلى ما يقوم عليه العراق الحاضر من تطوير لثقافته الشعبية والتاريخية. لم يرتق المثقفون العراقيون الرسميون الآن إلى بلورة تاريخهم وتراثهم الحضاري العظيم كما فعل المصريون المعاصرون على سبيل المثال. وساهمت الحكومات العسكرية الشمولية المتعاقبة بدثر هذا التراث القديم بشتى الوسائل من الإهمال بحيث أعدمت العراق كدولة حضارية وأهملته كدولة مهمة بالسياسة كما هي دولة مهمة بالتاريخ. البدو لا يحبون التاريخ ولا الجغرافيا. إنهم أقوام صحراويون لا يثقون بالمدن إلا كثقتهم بكثبان الرمال المتغيرة بين الحين والآخر.
نقلَ “البدوي” معمر القذافي خيمته إلى نيويورك مع كافة أجهزه الحماية والتبريد ليثب للعالم أجمع أنه ينتمي إلى أصول بدوية صحراوية تكره المدينة. انصاع الاميركان لخيمته بفعل ملايين الدولارات وليس لأحترام القيم البدوية. هذا ما يحدث الآن من قبل عصابات الدواعش لكن بطريقة صريحة الهمجية والبشاعة. البدو يفخرون بأمجاد الصحراء للتفوق على المدن والحضارات العريقة بالتاريخ، وهم ينخرطون بذات الوقت بتلفيق مدن حديثة على النمط الأميركي وخصوصا نيويورك. تناقضٌ سافرٌ وغير مفهوم؟
يرتقي العراق كدولة حضارية تبلغ من العمر أكثر من سبعة آلاف سنة؛ لكن عراق اليوم يركن مثل حصان هرم يجر عربة متهالكة تحت ضغوط كبيرة تجعله يكاد يجثو على الركب. يشارك بهذا الواقع المرير البعض من المسؤولين العراقيين الجهلة بماضيهم والذين لا يهمهم في الوقت الراهن سوى بيع العراق وتراثه بالمزاد العلني لجميع الأعداء في الداخل والخارج.
تم حذف بنود الثقافة العراقية من جميع جلسات البرلمان الذي لم يحل أي قضايا جدية تتعلق بالمواطن العراقي ومعيشته ويومه البائس، فكيف بنا نطالب بتحسين المستوى الثقافي في ظل هكذا برلمان وهكذا حكومة تنخرط بمعارك ضارية إلى أمد غير منظور؟
ما يمكّن الشعب العراقي من محاربة داعش والفكر التكفيري الإرهابي المتطرف ليس فتوى المرجعية الدينة فقط، وإنما الوعي الثقافي والعلمي والحضاري الذي تريد جميع القوى الدينية تغييبه تحت موجة انحسار العمل السياسي الوطني الجاد. الدولة العراقية مدعوة للتفكير بالثقافة والتحضر أكثر من ممارساتها الفعلية بالتراجع والنكوص.
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة