كيف يُمكن للحرس الوطني المساعدة على تأمين الاستقرار؟

فريدريك ويري، أرييل أ. آرام*
عمد العراق وليبيا وسورية واليمن، وهي الدول التي تُواجِه جميعاً مشكلة الجيوش الوطنية التي انهارت بنسب متفاوتة، إلى إقامة تحالفات بشكل مطّرد مع ميليشيات مسلحة بهدف محاولة ضمان أمنها.
هذا التفكّك للجيوش- الذي بدأ في العراق مع إطاحة الولايات المتحدة لصدام حسين في العام 2003 وفي بلدان أخرى على إيقاع ثورات العامَين 2011 و2012- سببه المجابهات مع الاحتجاجات الشعبية، والمعارك المتصاعدة مع مجموعات مُتمردة يرتبط العديد منها بالحركات الراديكالية الإسلامية. بيد أن الانشطارات الداخلية، بما في ذلك التنافسات العشائرية في اليمن، والتصدّعات بين المدن والمناطق في ليبيا، والانشقاقات الطائفية في سورية والعراق، سرّعت من وتيرة هذه الانهيارات.
العديد من هذه الميليشيات الموالية للحكومة، والمتحالفة الآن مع هذه الدول المُحاصرة بالاضطرابات، نُظِّمَت على أُسُس عِرقية- طائفية أو روابط قَبَلِية. وهي تُكمِّل، أو أحياناً تكون بديلاً للجيش والشرطة الضعيفين أو الغائبين كمصدر للأمن المحلي. ولاحقاً، يمكن لهذه الميليشيات أن تشكِّل منطلقاً لتشكيل جهاز حرس وطني جديد. ومثل هذه المقاربة قد تفيد من القواعد المحلية الداعمة للميليشيات، فيما يجري العمل لدمجها في هيكلية قيادة وطنية.
عمد العراق وليبيا وسورية واليمن إلى إقامة تحالفات بشكل مطّرد مع ميليشيات مسلحة لضمان الأمن.
بالطبع، مفهوم الحرس الوطني يواجهه عقبات كأداء عدة، كما تبيّن بوضوح خلال دراسة هذه التجربة في العراق وليبيا. إذ أن هيكلية الحرس تطرح أسئلة كبرى حول قضية تماسك الدولة ككل، وحول عملية المساءلة فيها. فهذه القوى قد تُضعِف الدولة بدل أن تعضدها. لكن، إذا مابُنِيَت على أُسُس سليمة، فقد تخدم كخطوات أولى مبدئية على الدرب الطويل نحو ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة تستند إلى مبدأ الشمولية للجميع والتمثيل المحلي، بدلاً من ممارسة المركز الإقصاء والقمع. وبهذا المعنى، قد تكون هذه القوى أفضل أمل لاستعادة الاستقرار في هذه البلدان الهشّة.
لكن في نهاية المطاف، فإن تشكيل الحرس الوطني يجب أن يرتبط بالإصلاحات في ميادين أخرى، إذا ما أُريد لهذه المقاربة أن تنجح. والأولوية القصوى هنا هي الإصلاح داخل قطاع الأمن نفسه، بما في ذلك ترقية ثقافة التعاون بدل التنافس، وتعزيز حلقات القيادة والإشراف الدقيق بين الميليشيات وبين أجهزة الأمن النظامية. وثمة أمر ملحّ آخر هو الإصلاح السياسي، الذي يؤثِّر على الطريقة التي تُوزَّع فيها السلطة وتُستوعَب بموجبها الأقليات العرقية- الطائفية والمجموعات الطرفية الأخرى في تضاعيف الدولة.
في أواخر العام 2014، حين كان العراق يجهد لاحتواء تقدُّم الدولة الإسلامية، دعا مسؤولون عراقيون وأميركيون إلى تشكيل حرس وطني، كوسيلة لدمج الميليشيات القَبَلية السنّية في هيكلية القيادة الوطنية.
هذا الاقتراح له الكثير من القواسم المشتركة مع حركة الصحوة السنّية في أواسط العقد الأول من القرن الحالي، حين دعمت الولايات المتحدة تكوين ميليشيات سنّية للمساعدة على إلحاق الهزيمة بتنظيم القاعدة في العراق. بيد أن الفكرة الجديدة الخاصة بتشكيل حرس وطني عراقي جديد، واجهت العديد من العقبات وفشلت في التجسُّد على أرض الواقع.
ظاهرة الميليشيات شهدت صعوداً في العراق منذ إطاحة الرئيس السابق صدام حسين في العام 2003. وكانت الولايات المتحدة سارعت إلى حلّ الجيش العراقي ووحدات الشرطة فوراً، واعتبرتهما حصناً للنظام القديم، كما خشيت أن يكونا مصدراً لانقلابات عسكرية. في هذه الأثناء، كانت الأحزاب الشيعية والكردية التي هيمنت على الحكومة المُشكَّلة حديثاً، تعتمد على قوات الميليشيا الخاصة بها والمستقلة ذاتياً. فقد كان للحزبَين الكرديَّين الرئيسَين وحدات بيشمركة خاصة بهما، كما كان للأحزاب السياسية الشيعية فصائلها المسلحة التابعة لها، على غرار قوات بدر (الآن منظمة بدر) التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (الذي أُعيدَت تسميته المجلس الأعلى الإسلامي العراقي). وظهرت أيضاً قوات ميليشيا أخرى لتوفير الأمن وإبراز العضلات السياسية لطامحين سياسيين جدد، على غرار رجل الدين الشيعي الراديكالي مقتدى الصدر وجيشه المهدي.
في هذه الأثناء، وفي المناطق السنّية في شمال وغرب العراق، عمد المتمردون، والإسلاميون، والميليشيات القَبَلية، إلى ملء الفراغ بسرعة، بهدف إحباط مخطّطات الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة والولايات المتحدة. وفشلت الولايات المتحدة في مساعيها لحشد الموارد الكافية للمساعدة على تسريح وتجريد ضباط الجيش السابقين ومقاتلي الميليشيات من السلاح في هذه المناطق، ثم إعادة دمجهم في الحياة المدنية. أكثر من ذلك، تردّدت الأحزاب السياسية الشيعية في التخلّي عن قوات الميليشيا التابعة لها، وامتنع السنّة من ذوي الخبرة العسكرية عن العمل مع من اعتبروهم مدنيين غير مهنيين وغير مدرّبين وتحالف العديد منهم مع إيران والولايات المتحدة.
ومع ذلك، بدا في البداية أن فكرة الحرس الوطني قادرة على الإقلاع. إذ أعرب رئيس الحكومة الجديد حيدر العبادي عن دعمه للفكرة، وجرى طرح مسودة قانون في هذا الشأن في البرلمان العراقي في تشرين الأول/أوكتوبر 2014. 16 كما أجرى مسؤولون حكوميون أميركيون وعراقيون محادثات مع شيوخ القبائل السنّية الرئيسة في الغرب. وبرز 2000 متطوع في مقاطعة الأنبار.18 وفي مدينة كركوك الشمالية، تطوّع رجال قبائل لقتال الدولة الإسلامية بإشراف أنور العاصي شيخ قبائل العُبيد. علاوة على ذلك، التقى مسؤولون أميركيون مباشرة مع شيوخ القبائل في الأنبار، بما في ذلك أحمد أبو ريشة الذي قاد شقيقه حركة الصحوة إلى حين اغتياله في العام 2007. 20
لكن، سرعان ماتبدّد هذا الزخم، الذي انطلق في البداية مع طرح مبادرة الحرس الوطني المُقترحة، هباءً منثوراً. فواجهت المبادرة مقاومة حادة داخل معسكر العبادي، وجرت عرقلة تعيين مرشحي العبادي في مواقع حسّاسة مثل وزارتَي الدفاع والداخلية. كما أن مشروع قانون الحرس الوطني وَهَن وفَقَدَ حيويته في البرلمان. وفي خاتمة المطاف، شغل منصب وزير الدفاع سياسي سنّي مخضرم لكن ليس له سوى تأثير ضئيل على المقاطعات الحاسمة التي أقام فيها تنظيم الدولة الإسلامية موطئ قدم له. وشغلت شخصية مرتبطة بالمجلس الأعلى الإسلامي منصب وزارة الداخلية، الأمر الذي عزّز الروابط بين الحكومة وبين الميليشيات الشيعية.
أما السنّة فقد أطلوا على الحرس الوطني بوصفه أداة للمطالبة بحكم ذاتي فعّال وبمشاركة أوسع في تقاسم السلطة، مقارنين ذلك بما حصلوا عليه من الولايات المتحدة في العام 2006. واشترطت بعض القبائل السنّية في الأنبار أن تترافق مشاركتها في الحرس الوطني مع إخراج الميليشيات الشيعية من هذه المقاطعة.22 وكما كان متوقّعاً، شكّت الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة بنوايا السنّة، وبدت مُحترِسةً من تشكيل قوة قد تُصبح طرفاً موازناً للحكومة المركزية، أو حتى تتحالف مع الدولة الإسلامية.
ثم أطلّت الاعتبارات الجيو-سياسية برأسها لتفاقم من مثل هذه المخاوف. ففي حين أصبحت الحكومة المركزية العراقية معتمدة أكثر فأكثر على إيران الشيعية، خاصة في مايتعلق ببناء قوات الحشد الشعبي، خطّطت الولايات المتحدة للاستعانة بدول عربية سنّية، مثل الأردن والسعودية ودولة الإمارات العربية، لتوفير التدريب والدعم للحرس الوطني. وهذا مازاد من إمكانية تحوُّل هذا الأخير إلى وكيل للولايات المتحدة والدول العربية السنّية داخل حلبة السياسات المحلية العراقية.
علاوة على ذلك، اعتبر العديد من العراقيين أن الحرس الوطني هو خطوة أخرى في اتجاه تفتيت العراق ككلّ. وعلى سبيل المثال، حين علم قادة الأقلية التركمانية بأن ثمة إمكانية لتشكيل ميليشيات سنّية، اندفعوا بصخب للمطالبة بتشكيل وحدات ميليشيا خاصة بهم.

*ينشر هذا المقال بالاتفاق مع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ٢٠١٤
لقراءة النص الأصلي٬ اتبع الرابط التالي: http://carnegieendowment.org/sada

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة