فوبيا الحشد الشعبي

سلام مكي *

شبان عاطلون، عمال تخلوا عن المصادفة التي تمنحهم قوتاً يومياً، شيوخ، يحاولون ترميم اعمارهم بفعل حسن، رجال دين،، تحرروا من الجدران، اعضاء منتمون الى فصائل مسلحة، توالي الحكومة. هذه هي اغلب شرائح الحشد الشعبي، والتي انتفضت، تلبية لنداء المرجعية الدينية، ولشعورهم بالخطر المحدق في مدنهم، الخطر المتمثل بزحف الارهاب نحوهم في اية لحظة. الحشد الشعبي، في حقيقته، ادانة للفساد والتخلف في الوظيفة. ادانة للحكومات التي فشلت في صناعة منظومة امنية عراقية على مدى السنوات السابقة. الكتل السياسية التي تهاجم الحشد، وتتهمه بأنه ضد الدولة وخارج على القانون، هي نفسها اسهمت بنحو مباشر في صناعة جيش ضعيف، منهك، ينخره الفساد والمحاصصة. هي نفسها، عرقلت، تسليح الجيش، وفرضت اسماءً بعينها، ليكونوا قادة في الجيش، تحقيقاً للتوازن!! هم انفسهم، يمنعون الجيش من دخول المدن، ويحرمون الانتماء اليه، والحجج كثيرة وجاهزة. بالمقابل، نجد الطرف الآخر، يوغل في منح الالقاب والرتب العسكرية الى اشخاص غير مؤهلين.
اضافة الى السكوت عن الممارسات الفردية الشاذة لبعض القادة والضباط، وهو الامر الذي تسبب في تشويه سمعة الجيش. الحشد الشعبي، جاء بعد انكسار الجيش، وبقاء المدن العراقية بلا حماية ومعرضة لدخول الارهاب اليها بكل لحظة. فكان الحشد جواباً ورداً على كل الاخطاء والممارسات التي ارتكبتها اجهزة الدولة الرسمية. لم يكن تشكيل الحشد لغايات سيئة، وافراده ليسوا وحوشا، ولا ينتمون الى دولة اخرى، ولا يأتمرون بأوامر احد. كان هدفهم الاساس، هو حماية مدنهم من دخول داعش. اضافة الى مساعدة اخوانهم من ابناء المناطق الاخرى. التضحيات التي قدمها الحشد كبيرة، والنتائج التي تحققت على يديه باهرة ومثمرة الى حد كبير، اذ اسهم في القضاء على الارهاب في مناطق كثيرة، ولنأخذ منطقة جرف الصخر، كانت تصدر يومياً عشرات المفخخات الى مدينة الحلة وبقية المدن العراقية. قبل تحرير جرف الصخر، كانت الحلة تتعرض الى تفجيرات اسبوعية، تحصد ارواح العشرات من العراقيين الابرياء، في وقت لم تنجح الاجهزة الامنية الرسمية من الحد من تلك الخروقات، ولما تشكل الحشد، اختلفت المعادلة، اذ زادت معنويات الجيش.
وتم اسناده بالمقاتلين ممن يملكون عقيدة خالصة، وبعد بذل العشرات من الشهداء والجرحى تم تحرير جرف الصخر، بعد ان كانت اخطر بؤرة. وها هي مدينة الحلة، تنعم بأمان نسبي غير مسبوق، فلم يحصل أي تفجير بسيارة مفخخة او بغيرها منذ تحرير جرف الصخر ولحد الان. كل هذا، ولم نسمع ان الحشد اغتصب امرأة من جرف الصخر ولم يسرق بيتاً، ولم يقتل بريئاً، بل أسهم في رجوع العائلات المهجرة الى منازلها، وحرر العشرات من العائلات التي كانت مختطفة من داعش. الانتصار الذي تحقق في جرف الصخر، تحقق بعد تكاتف الجميع، من حشد شعبي وجيش وشرطة، ويسجل للجميع. فلو لم يتدخل الحشد في جرف الصخر، فلا نعلم كم انفجاراً حصل في الحلة وغيرها ولا نعلم متى يكف الجرف عن تصدير الموت الى العراقيين. واليوم نرى سياسياً يدعي ان لديه مشروعاً عربياً في العراق! يقول: انه يرفض دخول الحشد الشعبي الى الانبار، خوفاً من تكرار ما حصل في جرف الصخر وتكريت!! ولا نعلم: ما الذي حصل في جرف الصخر؟ هل هذا السياسي منزعج من خلاص العراقيين من الموت اليومي؟ هل تطهير اخطر مكان في العراق، ازعجه الى هذا الحد؟ كذلك تكريت، فلا اتصور ان الحشد ارتكب جرائم بحق الابرياء، لتحدث كل هذه الضجة، التي لا نسمع مثيلا لها، عندما يقتل المئات من ابناء المناطق الغربية، الرافضين لوجود داعش! نعم هناك افعال فردية، شاذة، لكنها لا تشكل ظاهرة. السياسي هذا، يهدد بأن عشائر الانبار، ستحارب الحشد الشعبي ان دخل اليها، ولكنه استدرك: ان الانبار، ستحارب كل غريب! بما فيهم الحشد الشعبي، في اشارة الى انهم يحاربون داعش ايضا!
علما ان داعش موجودة في مدنهم منذ وقت طويل، وتمارس القتل والتهجير والاغتصاب بحق الرافضين لهم، ولكن، لم يحاربهم احد، سوى بعض العشائر التي قدمت المئات من ابنائها ثمناً لموقفها الوطني والاخلاقي. هذا السياسي، يرى: ان الحشد غريب مثلما داعش غريب! داعش، القادم من كهوف الفكر وغياهب التكفير والفتاوى المحرضة على العنف، داعش الذي تسبب بأكبر انتكاسة للعراق، عندما احتل الموصل، لا يختلف عن الحشد الشعبي، الذي لا يمللك مقاتلوه رواتب ولا امتيازات، الحشد الذي لا تدعمه الدولة، بأي مبلغ برغم انه السبب الوحيد على بقائها على قيد الحكم، الحشد الذي يعيش مقاتلوه على تبرعات الاهالي من مؤن ومواد طبية وغذائية، لا يختلف عمن تدعمه دول اقليمية ودولية، لكي يقتل المزيد من العراقيين. ثم ان هناك جهات رسمية وعشائرية، سبق ان طالبت بدخول قوات الحشد الشعبي، فما هو رد هذا السياسي وغيره؟ كيف يمكن قراءة المشهد في الانبار، وهو متشظ، وضبابي، اذ هناك من يطالب بدخول قوات الحشد الى الانبار لمحاربة داعش، وهناك من يهدد بمحاربتهم في حال دخولهم الى الانبار، اي يترك داعش يحارب الحشد! وهذا يدل على وجود خوف، وموقف ليس من الحشد، بل من الفكر والخلفيات التي يمثلها الحشد، يأتي من رواسب فكرية قديمة، لا تؤمن بأن العراق للجميع وليس لطائفة بعينها.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة