تهميش المثقف قانونياً

سلام مكي

أينما يولي المثقف العراقي وجهه، فثمة احباط، وتهميش. الدولة العراقية، ومنذ تأسيسها ولليوم، تعادي المثقف، ولا تعده سوى ند لها، ولرموزها من السياسيين. فالسياسي، في حالة حرب دائمة مع المثقف، ولكونه يمتلك أدوات القوة والقرار والنفوذ، نراه يسعى بكل ما يستطيع، الى تهميش المثقف، ومحاربته.
فيحاول اذلاله مرة، وحرمانه من حقوقه مرة أخرى. القانون، الذي يشكل عماد الدولة، والإطار العام الذي لا بد من حضوره، لتستمر الدولة في وجودها، بغض النظر عن طبيعة نظامها السياسي، هذا الميدان المهم، لم ينصف المثقف، وهمشّه الى حد بعيد، عبر التقليل من قيمة ما ينجزه المثقف من نتاج ثقافي وأدبي.
القانون العراقي، أسبغ حمايته على كل ما له قيمة مالية، وفرض عقوبات شديدة على المعتدي على تلك الحقوق، فلو سرق من المثقف كمية من الأموال، أو تعرض إلى شتم أو سب، فسوف يستنفر القضاء (الجهة المطبقة للقانون) كل امكانياته، لرد الاعتبار لهذا المثقف، ليس بصفته مثقفاً وإنما بصفته مواطناً فقط.
ولكن: اذا تعرض نتاج هذا المثقف إلى السرقة أو الاعتداء من قبل آخرين، فسوف يصمت القضاء، ولا يحرك ساكناً، والسبب، هو عدم وجود قانون يحمي حقوق المؤلف العراقي.
فالكتاب الذي ينفق المثقف أعواماً من حياته في تأليفه ويخسر أموالاً لطبعه، ثم يأتي أحدهم، ويسرق بعضاً منه أو كله، فلا جريمة هنا بنظر القانون! أو يعدها جريمة، ولكنه يضع شروطاً قاسية، حتى يذهب إلى وصفها كجريمة! المنظومة التشريعية، حمت كل الحقوق المادية، ولكنه لم تحم الحقوق المعنوية! والدليل، هو وجود العشرات من القوانين التي تحمي الحقوق المادية، في حين لا يوجد سوى قانون يتيم، تم تعديله في زمن الاحتلال الأميركي عام 2004.
هذا القانون هو قانون حماية المؤلف العراقي رقم 3 لسنة1971 والمعدل بموجب الامر رقم 83 لسنة2004. هذا القانون، لم يحم أي حق، وإنما وضع كديكور، لأغراض سياسية، تتعلق بالتزامات العراق أمام دول العالم، فيما يتعلق بالملكية الفكرية.
فاسمه: حماية المؤلف العراقي، ولكنه لا يتعلق بالمؤلف وانما بأمور أخرى.
وقبل هذا القانون، نجد قانون العقوبات العراقي النافذ رقم 111 لسنة1969 يقول في المادة 467: “مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها القانون، يعاقب بالغرامة كل من تعدى على حق من حقوق الملكية المعنوية للغير يحميها القانون أو اتفاقية دولية انضم إليها العراق”.
هذه المادة اليتيمة، مقابل العشرات من المواد الأخرى التي تحمي الملكية المادية.
هذه المادة القانونية، لا تطبق الا بالعودة الى القانون رقم3، كونه القانون الخاص والذي حدد المصنفات المشمولة بالحماية من عدمها.
وحتى لو تم شمول المصنف بالحماية، فالعقوبة لا تتعدى الغرامة، وطبيعة الغرامة غير محددة، إذ يمكن للقاضي أن يحكم بأي مبلغ حتى لو كان ألف دينار فقط! اما المادة 44 من القانون رقم 3 فتقول: “لكل مؤلف وقع التعدي على حق من حقوقه المقررة بمقتضى أحكام هذا القانون الحق بتعويض مناسب. ويؤخذ بالاعتبار, عند تقدير التعويض, المنزلة الثقافية للمؤلف والقيمة الأدبية والعلمية والفنية للمصنف ومدى الفائدة التي حصل عليها المعتدي من استغلال المصنف”.
فالتعدي على مؤلف الكاتب الشاب، يختلف عن التعدي على كتاب مثقف مشهور أو معروف، اذ ان مقدار التعويض سوف يختلف هنا.
ونحن نسأل: ما علاقة منزلة المؤلف بالتعويض؟ أليس الكاتب الذي لا يملك منزلة أدبية بالعرف الثقافي السائد، قد تعب وبذل جهداً، ربما أكبر من الجهد الذي بذله، المؤلف المشهور، صاحب المنزلة الثقافية! أما المادة الأولى من القانون فتقول: (1) يتمتع بحماية هذا القانون مؤلفو المصنفات الأصيلة في الآداب والفنون والعلوم أياً كان نوع هذه المصنفات أو طريقة التعبير عنها أو أهميتها والغرض من تصنيفها.
هذه المادة، لا تحمي المؤلف بما فيه الكفاية، كون عباراتها فضفاضة، وتحتمل التفسير والتأويل، وهي تحمي الكتب فقط، اما النصوص التي تسرق، فلا حماية لها! قد يقال إن السرقات الأدبية لا وجود لها في الوسط الثقافي العراقي، ولا حاجة لتدخل القانون، على أساس ان القانون رقم 3، يفتقر الى التطبيقات القضائية.
نعم، يبدو هذا الرأي صحيحاً، إذ علمنا إن الوسط الثقافي، يعد هذا الموضوع تابو ثقافياً، لا يتم التحدث بشأنه، الا خلسة، أو بين مجموعات خاصة، ولا يثار إلى الرأي العام، مجاملة للسارق، وإلا، فأغلب المثقفين العراقيين، لديهم معلومات كثيرة عن حالات سرقة، ولكنهم لا يتحدثون بها، كما ان الذي تعرض للسرقة، لا يتحدث بالموضوع ويفضل الصمت. هذا الأمر، جعل السلطة القضائية، تهمل القانون، ولا تفكر حتى بدراسته، أو تطويره برغم أهميته، والسبب يعود الى المثقف نفسه. اننا اليوم، نحتاج الى ثورة قانونية داخل الوسط الثقافي، ثورة، تقودها المؤسسة الثقافية نفسها، لا المبادرات الفردية التي لا يضمن نجاحهــا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة