الأخبار العاجلة

المثقف الانتحاري..المثقف الانتهازي

يبدو أن توصيف المثقف سيظل مثار جدل واسع، وباباً للخلاف المفتوح على احتمالات لا تنتهي، وعلى قلق لا ينتهي، ليس لأن هذا المثقف متورط في الخنادق، وفي التبعيات!! بل لأنه بات الأكثر رعباً من طبيعة التحولات الصادمة التي تحدث حوله، تلك التحولات التي تمسّ الجماعات والهويات والجغرافيا والتاريخ، والتي تتركه بلا أغطية، وبلا صيانات سوى المزيد من التخندق والعزلة والتوهم..
صورة المثقف الثوري تلبسّت بنوع من الكوميديا، لاسيما بعد فشل الأحزاب والثورات والأيديولوجيات القومية والعلمانية، وتحولت صورته عند البعض إلى أنموذج للمثقف الانتحاري وغير الواقعي، والذي يناطح الوقائع والأوهام.. لكن السؤال الذي يقابل هذا التحول هو البحث عن صورة نقيضة لـ(المثقف الانتهازي) الذي ينحاز، ويؤله القوى المنتصرة، أو القوى التي تضعه في الركن الآمن. ومن يقرأ الصحف العربية اليومية، أو من يشاهد التلفزة العربية سيجد حجم تضخم ظاهرة المثقف الانتهازي، المدافع عن الرجعيات وعن العصاب القبلي وعن أوهام سلطة هو يعرف طبيعة مرجعياتها وتخلفها..
الحدود ما بين المثقف الانتحاري والمثقف الانتهازي لم تعد واضحة جداً، خاصة بعد انهيار الكثير من الحواجز والخنادق، وصعود موجات غرائبية لخطاب الإسلام السياسي، وخطاب الإسلام النفطي، وخطاب الإسلام الوهابي، فضلاً عن صعود الجماعات التي تؤمن بالعنف والإرهاب والتكفير، والتي باتت تدرك خطورة صناعة صورة لمثقفها التوفيقي، والرجعي، والذي يروّج لخطابها ولعنف عصابها وخطابها..
المثقف الجماعاتي هو ذاته المثقف الانتهازي، المثقف الذي يٌشترى بالمال والامتيازات، وهو أيضاً القابل للتحول بسهولة إلى الاتجاه الذي يخدم مصالح تلك الجماعات، ومصالح الدول التي تضعه في السوق وفي الاستعراض، وتسبغ على وجوده سمات لا يستحقها، لكنها تطالبه بالمقابل بوظيفة البواق والمهرج والحكواتي وفيلسوف الطائفة وغيرها من الوظائف التي تؤكد انتهازيته..
إزاء هذا التوصيف الملتبس تتمظهر صورة أخرى، لكنها شوهاء في التعبير عن نفسها، وعن فكرتها، إذ تصنع بروازها جماعات ودول ومؤسسات تموّل الإرهاب، تلك الصورة التي تتشوه فيها ملامح (المثقف الثوري) وتضخيم هزائمه التاريخية والفكرية، واتهامه بأنه المثقف الانتحاري الذي يغامر بالحياة والموقف والمعنى مقابل دفاعه عن مواقف لم تعد واقعية وعقلانية، برغم مصداقيتها، لأنها تمثل أفكاراً جوهرية في العقل الثقافي، لاسيما تلك التي تتعلق بقيم الانتماء والحرية والصدق والكرامة والدفاع عن الحق والوجود..
قد تكون الوقائع الثقافية عرضة للتغيير، وقد يكون المثقف ذاته أكثر حاجة للتعاطي بوعي مع هذا التغيير، لكن ليس على حساب قيمه ومبادئه وإنسانيته وعلى رمزية صورته في الوجدان العربي، تلك الصورة التي تتمظهر فيها سيمياء المعلم والقائد والمفكر، بقطع النظر عن هوية هذا المثقف وقناعاته الأيديولوجية في اليسار واليمين، فما يحدث الآن هو تسويق اصطناعي لبضاعة (المثقف المؤجر) المثقف الذي يشبه (بائع المولات) والذي جلّ ما يمارسه هو العرض والبيع والربح!!!
تسويق هذه الصورة هي تسويق قصدي لتسقيط هيبة المثقف (التقدمي) و(الثوري) وحتى (اليساري) بمعناه الليبرالي، وهو ما يعني تسقيط لكل القيم التي كان يؤمن بها هذا المثقف، مقابل تبرير صورة المثقف الانتهازي، المثقف الذي يمكنه أن يلبس قفطان الفقيه، ومعطف رجل المخابرات ورجل الحكومة، وأن يضع القاموس اللغوي والسياسي والمهني في خدمة سياسة وثقافة البيع والشراء.
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة