الأخبار العاجلة

تأجيل اللذّة

جمال علي الحلاق

تحدّث رولان بارت عن (لذّة النصّ) من زاوية القارئ، وأنا هنا أتحدّث عن لذّة كتابة النصّ متّكئاً على تجربتي الخاصّة في – ومع- الكتابة في حقل التاريخ.
أتحدّث عن عملية إنتاج النصّ الخام وليس القراءة، وتحديداً، عن موضوعةٍ تلتصق بالكتابة، وتؤسّس لها، أقصد المساحة الزمنيّة التي يستغرقها الشكّ في الوصول، وتستغرقها التحضيرات للشروع بالكتابة ذاتها، وهي ما أطلق عليه هنا اصطلاح (تأجيل اللذّة).
***
أتحدّث عن إحساسٍ مضطربٍ خاصٍّ جداً، خليط من قلقٍ ومتعةٍ، رهبةٍ وجرأة، لا يصل إليهما إلا من يعيش لحظة امتلاك رؤية مختلفة للتاريخ، تخصّه تحديداً، تعمل على دحض المقدّس، وهو في طور التفكير في الإعلان عنها.
***
مقالتي هذه إجراءٌ من إجراءات التحضير، جذاذةٌ أولى، أو شرارةٌ أولى، وعليه فهي تندرج في الاصطلاح، هذا يعني أنّ بعض الكتابة تأخذ على عاتقها دور التأجيل أيضاً، إنّها أشبه بدوران الراغب حول رغبته، يحاول امتلاك الرؤية كاملة قبل الشروع بالقفز بمظلّة.
***
تأجيل اللذة، هو الاستلقاء وحيداً على ظهر سلحفاة لم تظهر على سطح الماء، ولم تعرفها الخرائط بعد.
الإقامة داخل عالمٍ غير مرئي، يتشكّل، لكنّه موجود قبل التشكّل، ليس جنيناً، بل كائناً مكتملاً، لكنّه محجوب بثقافة موروثة، أو بحياة موروثة.
تأجيل اللذّة، أن تعيش في العالم، خارجاً عنه، وعليه، قبل أن تعلن عن ذاتك.
***
العالم ممتلئٌ بإشارات مشفّرة بطرقٍ غامضةٍ تشير إلى رؤى مختلفة، وقلّةٌ جداً، بل يندرون كثيراً، أولئك الذين تغويهم الإشارات الغامضة، وتستدرجهم، فيتّبعون غموضها إلى أقاصيه، الرائي هنا يُشبه صائد البرق الذي تحدّث عنه سان جون بيرس.
***
فكرة الكتابة قائمة ومخيفة أيضاً، لعلّ الخوف جزء من اللذّة، لكن ، ولأجل الحصول على لذّة كاملة الدسم، أحاول أن أملأ جناحيّ ريشاً تستدرجه الغواية إلى فكّ طلاسمها.
أحاول أن أجعل عينيّ تتشبّعان بزوايا النظر الحادّة، بالخفيّ من الظاهر، وبالظاهر من الخفيّ، وأن أقرأ الخبر الواحد بمنطادٍ من فوق، أو بغوّاصةٍ من تحت، وأن أقرأه من أمام ومن وراء، من دون حجاب، لأنّ الحقيقة دائماً «لها محبّان لوطيٌّ وزنّاءُ» على حدّ تجربة أبي نواس.
***
أقرأ التاريخ بعدساتٍ لامّةٍ، تعمل على تكثيف الخبر الغامض، تجعله غموضاً مضيئاً.
عدسات تنفخ الحركة في الجسد الساكن، تنشر الميت من قبره، الرائي يعيش القيامة بشكلٍ مستمر.
أقف خارج الانتماء للضوء أو للظلّ، أتحرّر إلا من معاولي ومن حفريّاتي، أتحرّر إلا من رغبتي على قطع مسافاتٍ طويلةٍ من ظلامٍ يتراكم ( هل أتحدّث هنا عن تشابه مع تجربة كلكامش؟).
كلّ هذه مسوّدات للكتابة المقبلة، كلّ إشارة أو معلومة هي مراودة للحقيقة عن نفسها، هي ريشة للجناح المقبل، فالطائر لا يطير إلا إذا سمع صوت الآفاق يدعوه بعمق، فعندها، وعندها فقط، يكون الريش هو المظلّة التي بها يقفز قفزته الهائلة.
***
الكتابة تقف بمستوى الإنوجاد، والإنوجاد هنا يعني خروج الرؤية من الفرد إلى المجتمع، ودخولها كعنصرٍ مسهمٍ في حركة التاريخ.
***
الوجود يتطلّب شحنة هائلة من الشهوة على الإنوجاد، رغبةً وجرأةً لا تعرفان التأطير، لا تقيمان اعتباراً للحرام أو للتابو، ولا توقفهما إشارة ممنوع العبور هنا، أو الطريق غير نافذٍ هناك، على العكس تماماً، فإشارات المنع والتحريم تُعطي الوجود طاقةً هائلةً على القفز والتجاوز.
وتأجيلُ اللذّة تحليقٌ متواصلٌ في الفضاءات المحرّمة للنظام المعرفي الذي يحكم الموجود البشري، هكذا، «الكلّ يراك ولا أحد يعرف مسيرتك» على حدّ تجربة إخناتون، صراخٌ بأعلى أوتار الحنجرة، ربّما كان أنيناً مكتوماً، لكنّه أنينٌ يمتلك القدرة على صمّ الآذان، لذا فالكتابة تتطلّب كمّاً زاخراً ونافراً من المعلومات والإشارات التي تؤسّس الموجة.
الإنوجاد إعلان حادٌ لرغبة الإبهام ليس على الرؤية فقط، بل على ترك بصمته على جسد التاريخ، بل لعلّ التاريخ يتحوّل إلى جسدٍ من طين طَيِّعٍ بين الأصابع والكلمات.
***
كما لو أنّ دواراً يلفّ رأسي، ويلفّني، أوشك أن أقع في حفرةٍ بلا جذر، هزّات أرضيّة تزلزل الجسد والعقل، أسمع دويَّ بناياتٍ تنهار، وأرى طُرُقاً معبّدةً تتشقّق. فجأة، البناية إشارة من دون معنى، والطريق لا يقود.
قراءة التاريخ تأخذ مقلوب آليّة التنبّؤات، يسيطر عليّ إحساسٌ بأنّني ونوستر أداموس نجلس على ضفتين متقابلتين، وكلانا يشير إلى انهيارات هنا وهناك، هو يشير إلى المستقبل، وأنا أشير إلى انهيارات تحصل في الماضي (هل فات أوان الماضي حقاً؟).
***
الغبار المتصاعد يؤسّس لبناياتٍ أخرى، التاريخ لا ينهار بأكمله، ولا يختفي أيضاً دفعةً واحدةً، لأنّ اختفاء عائلة أو حركة ما يعني ظهور عائلات وحركات أخرى كانت في طور الكمون أو الكتمان . انسحاب الضوء عن حدثٍ ما سيقود في النهاية إلى إضاءات هنا وهناك تجعل حركة التاريخ تأخذ طُرُقاً أخرى.
يبقى التاريخ حيّاً وولوداً.
***
الكتابة تعني أنّ شوطاً طويلاً من الاستمتاع الذاتي قد انتهى، وأنّ رغبةً جارفةً تقودني من ياقتي، إنّها لذّةُ الانقياد تحت سحر الاستمتاع، الكاتب إيثاري جداً، لأنّه يحاول – باستسلامه للذّة – اعمام الاستمتاع.
***
هكذا، كلانا يغوي الآخر، أنا والتاريخ، بل كأنّ التاريخ جسدٌ في شرنقة، يحلم أن يكون فراشةً، وأنا أتهيّأ لأكون فضاءً.
***
الكتابة ممارسة جنسية لا تكتمل إلا بالاستغراق بالمراودة والتأمّل والشطح، البحث في الطيّات الدقيقة، انحناءات التاريخ أو استداراته المباغتة، الإغراءات التي تفتح الأفق، تلمّس الرموز والشفرات بيد أعمى، التلذّذ بعصير الكلمة ومقلوبها، الكلمة ودلالتها، مطاردة الأسماء وانقطاع الصلة، الغوص في التعتيم الذي يغلّف الأحداث، في اتّفاق الخرس الذي تصاب به أمّهات كتب التاريخ عندما تقترب من منطقة محرّمة، الغوص في النطق وفي الصمت، ومحاولة التمييز – بعينٍ تتشهّى – بين الصمت والسكوت، بين الإرادة والقمع.
***
الكتابة ليست اغتصاباً، ولا يقع الكاتبُ فيها وقوعَ البهيمةِ على الورقةِ البيضاء، البياض يغوي، لكنّه أيضاً، يتطلّب شهوةً تّتقن الدخول كلصٍّ يجعل البياض ذاته يرفع راية الاستسلام.
ومع هذا فالكتابة أيضاً انزلاقٌ هائل، إعلان بالتعرّي التام، أمام شمسٍ، أشعّتُها تجعل الجسدَ شفافاً.
***
الكتابة امرأة تعلّق رغبتها على النافذة.
الكتابة تجعل القارئ متطفّلاً وحالماً أنانيّاً جداً.
***
تأجيل اللذّة يشبه تماماً تأمّل أحجار البيت، عتمة الأركان والزوايا، الفاصل بين واجهة البيت وحديقته الخلفية، الأعمدة المنتصبة أو المنغرزة بعنف في الأرض، تأمّل كلّ ذلك قبل أن يصير البيت ماسةً لامعةً تحت أشعّةٍ لا نهائيّة.
***
* فصل من كتاب «تأجيل اللذة.. تأملات في الأدب والفنّ والحياة» للشاعر جمال علي الحلاق صدر العام 2013 عن دار مقهى للطباعة والنشر بغداد – كاليفورنيا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة