خارطة السينما العراقية المستقلة بعد العام 2003

كرنفال 100 دقيقة سينما

خاص بالصباح الجديد

(من اللجنة الإعلامية للمشروع)
إن التغيرات التي حصلت في المشهد العراقي بعد العام 2003 والتي شملت شتى مجالات الحياة، وأثرت في جميع تفاصيلها، كان للسينما نصيب من واقع هذه التغيرات مثلها مثل بقية المرافق الفنية والثقافية والحياتية الأخرى. فالحركة السينمائية العراقية قد شُلّت بالكامل مع بداية تسعينيات القرن الماضي لعديد من الأسباب، منها مايتعلق بالجانب الفني، ومنها تأثر بالجانب السياسي والكيفية التي أحكمت فيها السلطة الشمولية قبضتها على السينما لتسخّر إمكانات هذا الفن في خدمة أفكارها ومصالحها. ومع عملية التغيير وانزياح القوة المهيمنة كان لا بد لهذا النشاط أن يعاود العمل وأن يبحث عن فضاءات جديدة يثبت نفسه ومكانته من خلالها. ومع انفتاح العراق على العالم وجد هذا الفن أحد أهم أهدافه المنشودة ليشكل جزءاً من المشهد السينمائي العالمي، وهذه العملية بحد ذاتها تشكل ضرورة ملحّة في صيرورة هذا الفن من ناحية تفاعله وتأثره بالتجارب الأخرى في شقيها الإقليمي والدولي.
لقد تصدى جيل جديد من الشباب الواعد لهذه العملية وتمكّن من صناعة نمط جديد من الأفلام الدرامية والوثائقية تنوعت بين الأفلام الطويلة والقصيرة شارك أبناء هذا الجيل من خلالها في العديد من المهرجانات والمحافل الدولية، واستطاعات هذه المشاركات الفعالة من خلق صورة أو هوية جديدة للسينما العراقية التي طالما أخفقت، سابقاً، في عبور حدودها المحلية. وما يضفي تميزاً وشرعية فنية لهذا التأسيس هو اعتماده على النمط المستقل في الانتاج السينمائي، فتنوعت هذه المشاركات بين الأفلام المستقلة اضافة الى النشاطات المميزة للسينما الطلابية للأفلام المنتجة من قبل معاهد وكليات الفنون في شتى المحافظات العراقية. لكن برغم كل هذه الفعاليات في اثبات الوجود والمنافسة الخارجية على مكانة مستحقة، تعرّضت هذه المساهمات إلى مشكلة جوهرية أخرى، متمثلة بعدم تعرّف الجمهور المحلي على هذا النتاج لدرجة تصل الى جهل الأغلبية بوجود أفلام عراقية بعد عام 2003، حيث انحسرت مشاهدات هذه الأفلام بين نخبة قليلة مهتمة أو عاملة بالسينما و جمهور المهرجانات المحدود في عدده. ولهذه القطيعة بين الجمهور ومنتجهم الفلمي المحلي عدة أسباب أهمها الافتقار الى وجود مؤسسات مختصة تعنى بمسيرة الفيلم بعد انتهاء مرحلة الإنتاج والتي تشمل عملية «التسويق» كاحدى أهم المراحل المساعدة في ديمومة أي حركة سينمائية في العالم، إضافة الى عدم وجود صالات عرض مختصة للتروّيج عن هذه النوعية من الأفلام، مع وجود عوامل أخرى لا يتسنى لنا ذكرها جميعاً حيث تحتاج الى دراسة مطولة ومفصلة خاصة بها.
بعد ذلك مرت رحلة السينما العراقية بانعطافة أخرى متمثلة بالأفلام المنتجة من قبل (مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية عام 2013 ). فبعد انتظار دام طويلاً من قبل جمهور متعطش لمشاهدة أفلام عراقية، عرضت هذه الأفلام وأثارت صدمة كبيرة لمتلقيها لما كانت عليه من سوء وضعف أثر على جميع مفردات الإنتاج السينمائي فيها، على الرغم من حجم المبالغ المالية المخصصة لإنتاج هذه الأعمال – وهي مبالغ كفيلة في المساعدة على احياء هذه الصناعة – غير ان المحصلة جاءت مخيبّة ومحبطة ولم يتحقق فيها سوى فلمين أو ثلاثة جيدة المستوى وسط هذا الكم الإنتاجي الكبير.
سبّب هذا الاحباط ردة فعل سريعة لمجموعة من الشباب السينمائي العراقي المستقل بشتى التخصصات (مخرجين – كتاب سيناريو – مصورين – ممثلين …الخ)، وجرت عمليات تنسيق واتصال فيما بينهم لرسم خطة عمل جديدة تساعد على تصحيح المسار بعد الضعف الواضح في أفلام بغداد عاصمة الثقافة، خصوصاً وان دور الشباب قد همشّ بصورة غريبة في هذه الفعاليات. وبعد عقد عدة اجتماعات تم فيها دعوة أكبر عدد ممكن من الشباب السينمائي العامل في بغداد والمحافظات طُرح من خلالها مجموعة مقترحات علمية وعملية تساعد على الانطلاق بمشروع سينمائي شامل وفعّال. وعلى ضوء هذه الاجتماعات تم اجراء لقاء بين الشباب والسيد مدير عام دائرة السينما والمسرح «مهند الدليمي» لطرح هذه المقترحات على الدائرة؛ لغرض ايجاد وتطوير سبل التعاون المشترك بين الشباب السينمائي المستقل ودائرة السينما والمسرح لما يخدم تطور الخط السينمائي الوطني.
وكانت نتيجة هذا اللقاء ايجابية، حيث أثمر عن مجموعة من الأهداف والتوصيات، منها ماتم المباشرة في انجازه والآخر إستراتيجي قيد التخطيط والدراسة. وكان على رأس المشاريع سريعة الانجاز مشروع تأسيس «منتدى السينما» التابع لدائرة السينما والمسرح على غرار «منتدى المسرح»، واتخذ هذا التشكيل من بناية «مسرح الرافدين» مقراً مؤقتاً للمباشرة في أعماله. وجاء في مقدمة أعمال هذا المنتدى الاعداد لكرنفال سينمائي تحت مسمى «100 دقيقة سينما».
و»100 دقيقة سينما» هو كرنفال و تظاهرة فنية تهدف إلى تعريف جمهورنا المحلي بالمنجز السينمائي العراقي المستقل الممتد من عام 2003 الى وقتنا الحالي، وبالتحديد الأفلام القصيرة بشتى تصنيفاتها. وسيأخذ الكرنفال على عاتقه ترشيح مجموعة من هذه الأفلام من خلال بعض اللجان الفنية المختصة. وما يميز هذه اللجان المنتخبة هو التنوّع من حيث اختصاصاتها وفئاتها العمرية، حيث عمدت إدارة الكرنفال، منذ بدء عملياتها، على زج الشباب في معظم العمليات والمراحل حرصاً منها على تأسيس جو فني منظّم لا يُقصى فيه دور لأحد على غرار ماحدث في تجارب سابقة. وسيركز الكرنفال أيضاً في أحدى أهدافه على عرض مجموعة من تجارب السينمائيين العراقيين في الخارج والتي لم تتسن فرصة مشاهدتها حتى بالنسبة للمختصين. وهذه واحدة من أهم الخطوات التي سوف تساعد على خلق هوية مشتركة للنشاط السينمائي العراقي، إضافة إلى ما سينتج عن هذا التعريف من تلاقح ثقافي يصب في تطوير الإمكانات الفنية لهذا النشاط.
وقامت إدارة الكرنفال بوضع آلية خاصة لعروض الأفلام التي سوف يتم قبولها، حيث ستوزع العروض على مدار ثلاثة أيام، كل يوم يعرض فيه مجموعة من الأفلام القصيرة، يكون إجمالي وقت عرضها 100 دقيقة في اليوم الواحد. وستصنف الأفلام المعروضة إلى مجموعات مختلفة على وفق معايير محددة مسبقاً. فهنالك يوم خاص بالأفلام المشاركة في المهرجانات والحاصلة على جوائز، ويوم خاص بالفيلم الوثائقي، إضافة الى يوم مخصص لعرض نتاجات ومشاركات سينما الطلبة والهواة.
وصل الكرنفال الى مراحل متقدمة في عملية الإعداد والتحضير بفضل جهد جماعي متميّز لمجموعة من الشباب تسير وفق برنامج عمل وتخطيط دقيق ومسبق، فالأفلام تتوالى بالوصول إضافة الى أعداد مفرحة من الشباب المتطوع للإسهام في المبادرة من العاملين في السينما أو من تخصصات أخرى للمشاركة في هذه التظاهرة. إن هذا النشاط الجديد يمثل ايماناً مشتركاً من قبل جيل كامل بضرورة تحقيق هذا المنجز، ليس لغرض خدمة السينما فحسب، بل هي محاولة لإثبات وجود في هذه الحياة وسط قسوة ووحشية مرحلة لا تخفى على أحد. ومثلما يقال «السينما تصنع الحياة» فهذه دعوة مفتوحة وعامة لجميع الأفراد والمؤسسات للإسهام في هذا الكرنفال لصناعة هوية واضحة لسينما تليق بنا …لصناعة حياة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة