العراق في ضوء القرار الأميركي: النهايات الدامية

حيدر قاسم الحجامي*

لم يكن التوجه التشريعي الأميركي نحو التعامل مع «السنة والأكراد في العراق» كبلدين غريباً، في الأقل في الوجدان السياسي العراقي، الذي يُدرك بصمت مدى الغور العميق في جسد الدولة العراقية، ومدى اتساع الشق بين المكونات التي حاولت المقاربة الأميركية بعد 2003، جمعها في كيان جديد، عبر عملية ادماج لا قسرية، قائمة على «براغماتية واقعية» تجيدها اميركا، وحاولت جاهدةً إتقانها في تثبيت الصيغة الهشة لعراق ما بعد الحكم السني، ولكن بلا جدوى، لربما لوقوع خطأ في قراءة الواقع الجيوسياسي، او ربما لتغيير الخطط التي خضعت لمراجعات مستمرة بسبب التطورات الدراماتيكية التي شهدتها البلاد ومحيطها الإقليمي، وتبدل التوازنات الدولية لصالح محاور نجحت الى مدى بعيد في الحد من تمدد مشروع الشرق الأوسط الجديد، او في الاقل تعطيله برهة من الزمن.
رفض خجول
لم يُحدث القرار الأميركي الجديد ذات الصدى والانزعاج الذي أحدثه تصريحات جو بايدن في مرات سابقة، حين طالب بتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، لاستحالة التعايش بين تلك المكونات، فالرفض الشعبي، وان بدا عالياً بعض الشيء، الا انه بدا هذه المرة فاقداً للحماسة المعهودة، أو ربما كان كما عبر مثقفون وناشطون عراقيون في رفضهم للقرار، انه –أي القرار- يأتي في وقت غير مناسب الآن، إذن الاعتراض، ليس على أصل الفكرة، بل على التوقيت فحسب.
الفكرة، لم تعد غريبة كما كانت في السابق، ولم يعد من يؤمن بها، خائفاً من الجهر بها، ابداً، الكثير من التحركات على الأرض، تشير الى أنها مؤمنة بهذا الاتجاه، ولكنها متحفظة في الإعلان عن إيمانها، كي لا تُحمل وزر، وخطيئة التقسيم التي قد تنسب لجهة او طرف من دون غيره، فيما جميع الإطراف تشترك بالرغبة ذاتها، ولكنها عاجزة عن الإفصاح عنها، سوى بلغة تأجيج الصراع الطائفي حتى يبدو الأمر، كأنه الضرورة الحتمية، لإنهاء الصراع الدامي الذي يفتك بالبلاد منذ أكثر من عقد.

إعادة التوازن
عقب فشل الشيعة في إدارة ملف الدولة التي أنطيت مسؤوليات إدارتها لهم، وخصوصاً في ما يتعلق بخلق التفاهمات المستقرة، مع شركائهم «الأكراد، والسنة» من خلال تقاسم موارد الدولة النفطية، وتوزيع مصادر الدخل بينهم، وكذلك تشكيل قوات مسلحة متكافئة، والدخول في شراكات سياسية طويلة الأمد، كانت القوى الكردية تعرف أكثر من غيرها، عدم إمكانية التوصل إلى ذلك، بحكم معرفتها بحجم التأثير الإقليمي في القرار الشيعي من جهة، وغياب الرؤية السنية القادرة على الاتفاق على مرجعية سياسية قادرة على تمثيل الشارع، الذي تُرك نهباً للتيارات السلفية –التكفيرية-، ولبقايا النظام القديم، فعمدت –القوى الكردية- بكل وضوح إلى تعزيز القوات العسكرية الموجودة لديها –مليشيا البيشمركة وقوات إضافية من تشكيلات الاسايش وغيرها-، والبحث عن حلفاء في الإقليم، وخارجه لدعم هذه القوة الكردية للدفاع عن الدولة المحتملة، خصوصاً وانها تمتلك الموارد النفطية التي سيطرت عليها في كركوك، والموصل، وغيرها، وأبرمت عقوداً نفطية طويلة الامد مع كبريات الشركات الاميركية، كأكسون موبيل، التي وصف مسعود بارزاني وجودها في الأقليم بأنه يعادل ست فرق عسكرية.

من يُمثل السنة عسكرياً؟
إلى هذا الحد، اكتفى الشيعة بالسيطرة على مفاصل الجيش النظامي الذي شكلوه عبر زج ألاف من منتسبي المليشيات التي كانت في إيران تعارض نظام صدام، في أجهزة الجيش، لتأمين سطوتهم على السلطة، بعد طرد المئات من القيادات العسكرية (السنية) من الجيش السابق عبر قرار حله على يد الحاكم الأميركي بول بريمير.
ولذا بدت القوتان (الشيعية والكردية) تمتلكان القوة العسكرية، فيما لم يكن الطرف الثالث يملك سوى فصائل مجهولة، يشكل تنظيم القاعدة عمودها الفقري، مضافاً إليها تشكيلات الجيش السابق الموالي لحزب البعث المنحل، وهنا بدأت المعادلة للمتابع مختلة، غير متوازنة، وكان هذا الوضع يقلق الأميركان كثيراً، خصوصاً مع اتساع التأثير الإيراني وتعاظمه إبان فترة حكم المالكي الذي تولى السلطة عام 2006، وخرج منها في أب 2014.

القوة السنية المجهضة
كانت تجربة الجنرال ديفيد بترايوس الذي تولى قيادة القوات الأميركية في العام 2007، بتشكيل قوات الصحوة، وهي فصائل مسلحة من العشائر التي تم استمالتها للحرب ضد تنظيم القاعدة في الانبار، ناجحة إلى حد كبير في إيجاد توازن قوى بين الإطراف الثلاثة، وكانت من المرجح في حال عززت آنذاك، وأصر الأميركان على دمجها في القوات المُسلحة، ان تؤدي الى كبح جماح التمرد السني الغاضب، وموازنة القوى غير المتكافئة، كذلك تطمين المحيط السني القلق (تركيا – السعودية- الأردن) من التمدد الإيراني في البلاد، لكن ذلك لم ينجح حين تُرك الأمر بيد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي هاجم الصحوات، بنحو واضح مع بدايات تشكيلها، وعمل لاحقاً على تفتيتها، وشرذمتها، وطرد ابرز قادتها الفاعلين، واستبدالهم بقادة آخرين لا يحظون بمقبولية ولا نفوذ في الشارع السني.
داعش.. البديل الموضوعي
تبدو إضاعة فرصة خلق التوازن العسكري بين القوى الثلاث الرئيسة في البلاد، بمنزلة الحاضن الشرعي الرئيس الذي مهد لولادة داعش، بعد إن كانت مجرد كائن ضعيف هزيل، وكانت الأصوات المتطرفة، الرافضة لفكرة العمل مع وضع ما بعد 2003، تنتصر شيئاً فشيئاً، كلما زادت الحكومة من إجراءاتها الخاطئة، وكلما أوغلت في انتهاج سياسيات تفتقر للبراغماتية في الأقل، ان لم تكن اتسمت بـ «الرعونة» السياسية، والانغلاق الطائفي المدفوع بدوافع شخصية للسيطرة على مقاليد الحكم في بلاد تبدو رمالها متحركة تحت إقدام الجميع.
ولادة داعش، على يد جنرالات صدام السنة المطرودين، إضافة الى نمو التشكيلات السلفية الجهادية، مضافاً الى هذا كله، وجود إطار مناسب، إعقاب الثورة السورية، أفضى في النهاية الى دمج الكثير من القوى السنية (القبلية) في تنظيم الدولة الإسلامية، والمُسمى محلياً بـ «داعش»، ليُفضي هذا كله الى ان تفرز الساحة السنية، قوتها بوجه القوتين الشيعية والكردية، ولكنها قوى منفلتة من إطار العقلانية السياسية، ولا تؤمن بالعمل السياسي، ولها أيدلوجيا كونية، تؤمن باعمام قيمها عبر استعمال العنف وحده.
إذا ما فهمنا هذا كله، سنفهم خلفيات القرار الأميركي الاخير الذي يحاول الان، مع استمرار عمليات التحالف الدولي الذي يدمر القوة القتالية لداعش، ان يوجد قوى «سنية» معتدلة تكون بديلاً عن داعش بعد اسقاطه، وان لا تقع الساحة السنية من جديد تحت سطوة السلطة الشيعية، المدعومة ايرانياً، او لطموحات الدولة الكردية التي تتمدد في مناطق وسط وغربي العراق، بدوافع توسعية محضة.

• كاتب وصحفي/ مركز الجنوب للدراسات

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة