ديمقراطيتنا ولغة التهديد..

من بركات مشهدنا السياسي المكتظ بالبركات ، ان سياسيينا، عافاهم الله وباراهم ، اساتذة كبار في علم لغة التهديد ، ليس ضد اعداء البلاد بصورة عامة ، وانما فيما بينهم ، تعبيرا عن زخم وقوة الديمقراطية لدينا !
ولو رصدنا خطاباتهم الفضائية وبياناتهم لاكتشفنا روح العداوة والعداء بينهم وبين خصومهم السياسيين ، ولا يفوّت هؤلاء الساسة فرصة تفلت من السنتهم وقلوبهم الا واستخدموها افضل استخدام في التوعد والوعيد ، ولو كانت مفاتيح ابواب الجحيم باياديهم لما ترددوا لحظة في القاء «الاخوة الاعداء « فيها !
فمفردة نحذر التي عادة ما تستعمل في الكلام من باب التنبيه لمخاطر معينة ، يستعملها جماعتنا للويل والثبور لحلفاء لهم وخصوم على وجه السواء ، اما تعبير الخطوط الحمر ، فهو من التعابير الأثيرة لديهم و «اتونسهم» ايقاعاته الللغوية الموسيقية فيما دلالاته الموت الاحمر للآخر ، ودخلت مفردة «السلخ» حديثا الى عالم لغتهم التهديدية تعبيرا عن فشل المفردات السابقة والصعود بلغة التهديد الى اقصى مستوياتها ، خصوصا وان عقوبة السلخ كانت واحدة من العقوبات القاسية واللاانسانية استخدمها خلفاء ما بعد الخلافة الرشيدة ضد خصومهم السياسيين، وجاءت ايضا في عقوبات نفذها دكتاتور كولومبيا ضد خصومه السياسيين كما جاء في رواية ماركيز «خريف البطريك» ..
اما الوعيد باندلاع العنف فقد خفّ استعمالها بحدود ، ذلك ان العنف متوفر لدينا بدرجة كافية تجعل التهديد به مزحة خفيفة من الضعفاء ، واستخدمه ساستنا من البرلمانيين والحكوميين على مستويات الرئاسة ن في فترات سابقة ، وتحديدا كلّما خفت مستويات العنف في الشارع ليظهر لنا هؤلاء السادة الكبار ليبشرونا بحروب اهلية قادمة تأكل الاخضر واليابس معا..
ولا تقتصر التهديدات على الاستخدام الخطابي لمفرداتها اللغوية في المؤتمرات الصحفية والبيانات، وقيل حتى فيما بين قادتنا في الاجتماعات الساخنة التي يديرون فيها ظهورهم الى بعظهم كما لو في مشكلة عائلية !
اما مفردة لانسمح فاصبحت من الضعف بحيث قل تداولها او تلاشى الى الابد ، فلم تعد مقبولة ومؤثرة في ساحة تنزف الدماء يوميا وتشيّع العشرات يوميا الى العالم الاخر..
وارتفعت مستويات لغة الهديدات الى مستويات تجسيداتها الواقعية ، بالاستعراضات العسكرية ، والتي تكون خفيفة من دون سلاح ، وحسب مقتضيات سخونة المشهد السياسي تظهر الاسلحة في الاستعراضات لكسر الارادات السياسية المقابلة !
وتتحول لغة التهديد «السياسي» الى مستويات التطبيق العملي باعمال عنف جهولة المصادر لكنها معروفة الدلالات ، انها لغة المفخخات والاغتيالات والاختطافات التي لاتعلن عن نفسها في الخطاب السياسي ، لكنها تؤدي دورها في الشارع بصورة مهنية واحترافية ومؤثرة وقادرة على خلق وانتاج واقع جديد ولوحة جديدة وفهم جديد لطبيعة الصراع الدائر في البلاد !
هل هذا النوع من «التفاهمات» نتاج العملية «الديمقراطية « ام نتاج ساسة جاءوا مصادفة أو من حالة طواريء أو قدر احمق كتب علينا ، لكنه نوع من الاقدار التي دعوناها الينا من خلال اصابعنا البنفسجية ؟
وعليه نحذر كل من يلومنا من انه سيواجه «عواقب وخيمة « على افعاله الشنيعة ومنها الترويج لاغنية «سلّمتك بيد الله» لدلالاتها السياسية الخفية !!
عامر القيسي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة