الأخبار العاجلة

الدولة العراقية وهواجس التقسيم

سلام مكي *

مشروع القانون الذي تقدم به عضو في الكونغرس الاميركي، لتقسيم العراق، الى ثلاث دويلات، لم يأت من فراغ، ولم يكن وليد مزاج فردي، بل هو نتاج طبيعي، للسياسات الخاطئة، والممارسات التي ارتكبها النظام السياسي العراقي، طوال تاريخه الفتي. تلك الممارسات، اسهمت في السماح، لفرد اجنبي، بتقرير مصير البلد، او اعطاء تصورات وافكار عنه. مشروع القرار الاميركي الذي ينص على تزويد كل من كردستان والسنة بالسلاح، بوصفهما دولاً، اي بعيدا عن بغداد، هو مشروع، يعبر عن رغبة الكثير من الدول الاقليمية والدولية، التي تنفق اموالا طائلة، في سبيل انهاء كيان اسمه العراق. نعم، لقد رفضت ادارة اوباما المشروع، واكدت على التعامل مع عراق موحد، وان المشروع لا يمثل حكومة الولايات المتحدة، لكن آثار المشروع، ستظل باقية، كما بقيت آثار مشروع بادين الى الآن، برغم مرور عدة سنين عليه. للأسف، ان الادارة الاميركية، واقعة تحت هاجس تقسيم العراق، فهي ومنذ تفكيرها باحتلاله، تحاول التأكيد على المكونات العراقية اكثر من تأكيدها على العراق نفسه، اذ علمنا ان اغلب السياسيين الحاليين والسابقين، اختارتهم ليكونوا ممثلين لطوائف وقوميات، وليس ممثلين عن العراق ككل. ان طرح مشروع القانون على الاعلام، هو بمنزلة جس نبض من قبل الاميركيين، لمعرفة ردود فعل السياسيين العراقيين، ومدى اهمية الموضوع بالنسبة لهم. الحكومة كانت السباقة الى رفض المشروع، والتأكيد على انه خرق للاتفاقية الموقعة بين الولايات المتحدة والعراق، وانه انتهاك للسيادة العراقية، وانه يقف بالضد من العلاقات الودية بين البلدين، واذا ما علمنا ان الحكومة العراقية مكونة من الشيعة والسنة والاكراد، فهذا يعني ان الجميع يرفض المشروع. بما فيهم المستفيدون منه. بالمقابل، نجد تصريحات اطلقها سياسيون اكراد يرحبون بالمشروع، ويعدونه ضروريا، لدعم البيشمركه في حربها ضد داعش. وكذلك سياسيون سنة، قالوا: ان تسليح العرب السنة هو الحل لمواجهة داعش! اما الموقف الاهم، وهو موقف مجلس النواب العراقي، فقد تم عقد جلسة للرد على المشروع، فكانت النتائج هو رفضه، على اعتبار ان التعامل يجب ان يكون مع الحكومة العراقية حصراً، وان العراق دولة موحدة، ولا يمكن التعامل مع مكوناتها على انها دول. القرار وافق عليه 140 نائباً فقط، في وقت انسحب منه الاكراد والسنة، لأسباب تبدو غير مقنعة. منها ان الفشل في التوافق على صيغة لتسليح ابناء المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم! وعلى هذا الاساس، فان تحالف القوى العراقية، يرحب بمشروع القانون الاميركي، ويعده عاملا مساعداً في مواجهة داعش والتصدي لها! ولكنهم في الوقت نفسه، مع وحدة العراق! ان هذا الموقف الذي نشر على شكل بيان صحفي، يبيح لمسؤول امريكي التحكم بمصير العراقيين، عبر السماح بتسليح مجموعات عشائرية بعيدا عن الحكومة، يمثل موقفا سلبيا، واشارة واضحة الا ان الخطاب الطائفي، هو المتفوق على الخطاب الوطني، ذلك ان مصلحة فئة معينة، هنا متحققة، ولكن على حساب المصلحة الوطنية العليا. ان مشروع القانون الاميركي، يشترط على العراقيين، ان يقروا قانوناص يخصهم ولا يخص دولة اخرى، لهو التدخل السافر بالشأن الداخلي للبد، ويجب على كل وطني ان يرفض هذا التدخل مهما كان الثمن. فقانون الحرس الوطني الذي يطالب مشروع القانون بإقراره خلال مدة محددة، والتعامل بشمولية مع الجميع واعطاء دور اكبر للأقليات هي امور داخلية تخص العراقيين وحدهم، ولا يحق لأي جهة خارجية ان تعطي تصوراتها بهذا الشأن ولا تعلق عليه ابداً، واذا حصل ذلك، فلا بد من السياسيين مهما كانت خلافاتهم وصراعاتهم، ان يتحرروا منها ولو مؤقتاً، ويعلنوا رفضهم القاطع لهذا التدخل. ثم ان الحكومة العراقية نفسها، لا تعرف بالتحديد الجهات التي تريد مقاتلة داعش، وليس هناك آليات سليمة يمكن من خلالها تسليم السلاح، وضمان عدم وقوعه بيد الارهابيين، اذ ان الموقف الرسمي والعشائري، غامض وغير مفهوم، اذ انهم يشترطون اموراً معينة، لغرض السماح للحكومة بمحاربة داعش! فهم مثلا، يفضلون داعش على الحشد الشعبي! ويعدون عناصره اعداء لهم، وفي الامس القريب، كان الجيش العراقي هو العدو الاول لهم، اذ رفضوا في مناسبات كثيرة دخوله الى مناطقهم، ولكنهم في الوقت نفسه، يطالبون الحكومة ان تزودهم بالسلاح لمحاربة داعش! فهل يعقل انهم يعدون الحكومة عدوا لهم وفي الوقت نفسه يطالبونها بتسليحهم؟ ثم ما هو مصير تلك الاسلحة لو قضي على داعش؟ الا يشكلون تهديداً جديداً للدولة؟ اما الموقف الكردي، فهو مدعاة للغرابة، اذ ان الموازنة العراقية لهذا العام، منحت اموالا اضافية للبيشمركه اضافة الى نسبة ال17%، لغرض دعمها في محاربة داعش، مع المساعدات الدولية التي تصلها بنحو مستمر، فلماذا يؤيد الساسة الكرد مشروع التقسيم؟ وبالعودة الى نتائج المشروع لو تحول الى قرار: ما الذي سيتبقى من الدولة العراقية؟ هل سيبقى هذا الكيان موحداً؟ اذا كان فعلا كذلك. وهل سيقف الاكراد والسنة عند هذا الحد؟ ام انهم سيطالبون بما هو اكثر؟ الا يطالبون الدول الاخرى ان تعاملهم كدول مثلما تعاملهم الولايات المتحدة؟ ان هذا المشروع، قد لا يرى النور، لكنه من اليوم حقق اهدافه، واسهم في دق ناقوس الخطر بالنسبة للعراق كدولة، اذ كشف عن طبيعة تفكير ساسته، ومدى حرصهم في وحدته، وما هو موقعه مقابل موقع طوائفهم وقومياتهم. ان العراق كبلد، يمكنه ان يستمر كذلك، لكن بشرط، ان يملك رجال دولة وليس رجال مكونات!

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة