الأخبار العاجلة

القانون.. بوصفه نسقاً مضمراً في الثقافة العراقية

سلام مكي

المثقف العراقي، على استعداد دائم، لإنفاق ليلة كاملة في قراءة ديوان شعري أو رواية، أو كتاب نقدي، ولكنه، غير مستعد أبداً، لقراءة نص قانوني! فالوسط الثقافي على الأغلب يعاني من أمية في القانون. ذلك المجال الذي لا غنى عنه في كل شيء. القانون، ضرورة، أنتجتها الظروف الاستثنائية التي يعيشها البلد، اضافة الى متطلبات الحياة اليومية. فكان التفقه في القانون، والاطلاع على نصوصه المختلفة، ضرورة، كون الملم بالقانون، يستطيع أن يجاري التطورات، ومعرفة حقوقه وواجباته. ما يعنينا هنا، ان غالبية المثقفين العراقيين، غير مطلعين على القانون، برغم انه ليس ترفاً فكرياً كما الأدب، بل هو ضرورة كما قلنا. واذا، قلنا ان الاطلاع على القانون المدني أو قانون العقوبات، هو ثقافة ذاتية، ولكن، ثمة قوانين، يجب على المثقف الاطلاع عليها، كونها وثيقة الصلة بعمله الثقافي. ذلك ان القانون مرتبط بجميع نواحي الحياة، ولا يمكن لأي نتاج إنساني أن يستمر من دون تدخل القانون الذي يقوم بوظيفة التقنين والتأطير، واعطاء الشرعية في ممارسة التصرفات القانونية. المثقف بوصفه منتجاً، للفكر، فهو لا يختلف عن منتج البضائع والسلع، فهذا الأخير، ينتج أشياءً يفرد لها القانون الكثير من النصوص التي تحميها وتؤسس لثقافة المحافظة على المنتج. ولا شك ان هذا الصناعي، يعرف القوانين التي تمس عمله، وتنظمه. كذلك الثقافي، ينتج بضاعة من نوع آخر، بضاعة لا تقل أهمية عن السلع التي ينتجها الصناعي. فمن الطبيعي إن هناك نصوصاً قانونية يجب على المثقف الاطلاع عليها كونها تمس صميم عمله. فهو ينتج شعراً أو رواية، أو نقداً، هذه النتاجات لها قيمة معينة، وللأسف، القانون قلل من شأنها، فلم يمنحها الحماية المطلوبة مثلما فعل مع السلع المادية. هذه البضاعة المعنوية التي ينتجها المثقف، معرضة للسرقة، والسطو من قبل الآخرين، اما من خلال انتحالها، أو من خلال استنساخ الكتب الأصلية التي طبعها المؤلف على حسابه، أو بطرق أخرى، تبخس حق المثقف والناشر على السواء، وهي ظواهر موجودة في الوسط الثقافي وسوق الكتب بكثرة. فلو علم المثقف، ان أحداً، سرق نصاً له، أو قام بطباعة مؤلف له، من دون علمه، فلا أتصور انه يعرف كيف يتصرف في مثل هذه الحالة، وهذا الكلام ليس إعماماً، أي لا يشمل الجميع. فهل يتصرف المثقف كغيره، ويلجأ الى مختص بالقانون ليطلعه على التصرف المناسب؟ أم هو مطلع على القوانين التي تخص عمله، وبالتالي، لا يحتاج الى رجل القانون؟ هل اطلع المثقف العراقي على القوانين التي تحمي الملكية الفكرية؟ هذه القوانين التي من المفترض انها تحمي نتاجه الأدبي من السرقة والضياع. واذا، كان مطلعاً عليها: فهل اقتنع بأن تلك القوانين يمكنها فعلاً حماية نتاجه من السرقة؟ هل ينتظر المثقف العراقي السياسي أن يبادر الى صياغة قانون يناسب المرحلة الحالية، ويشرع قانوناً يحمي المثقف العراقي من حالات السرقة والابتزاز؟ كما إن هناك حالة أخرى، وهي إن المثقف العراقي وبسبب غياب دور النشر المحلية التي تلبي طموحاته في التوزيع وجودة الطباعة، يلجأ الى دور النشر اللبنانية والسورية والمصرية لطباعة منجزه. والتعامل مع هذه الدور غالباً ما يكون عبر وسطاء، أو عبر البريد الالكتروني، حيث يتم التعاقد بين دار النشر والمؤلف عبر عقد الكتروني يوقعه المؤلف وهو في مكانه، ويتصور انه بهذا العقد ضمن حقوقه، فيرسل المال عبر الحوالات النقدية الى الخارج ليكون تحت رحمة تلك الدار. فهل يعرف المثقف العراقي قانونية هذا العقد؟ وهل ان القانون العراقي يعطي الشرعية لهذه العقود؟ اما مسألة قانون اتحاد الأدباء، فثمة الكثير من المثقفين العراقيين، لم يطلعوا على هذا القانون، لذلك لا يعرفون واجبات الهيئة الادارية ولا حقوقهم ازاء الادارة، فقانون الاتحاد، يعدّ متخلفاً قياساً الى قوانين اتحادات ونقابات أخرى كنقابة الصحفيين والمحامين الذين لديهم امتيازات كبيرة وفرها لهم القانون. على اتحاد الادباء بوصفه الجهة المكلفة بنشر الثقافة، والوعي أن تبادر الى نشر الثقافة القانونية، ودعمها عبر نشر البحوث والدراسات التي تعنى بالشأن القانوني، ذلك ان الثقافة القانونية تعدّ البذرة الأولى في نمو الوعي عند الافراد، اما المثقف العراقي، فعليه أن يستقطع جزءاً من الوقت المخصص للقراءة للاطلاع في الأقل، على النصوص التي تخص عمله. على المثقف العراقي أن يطلع على القانون، ليعرف كم هو مضطهد ومهمش، من قبل الدولة ومؤسساتها، فالمشرع العراقي برغم ما يمتلكه من رأس مال تشريعي قانوني كبير، لم يمنح المثقف سوى بضعة قوانين، لا تفي بالغرض الحقيقي الذي شرع من أجلها، فالملكية الفكرية، مثلا، لا تملك سوى قانون واحد تم تشريعه هو قانون حماية حق المؤلف رقم 3 لسنة 1970 والمعدل بموجب الأمر الاداري لسلطة الائتلاف المؤقتة المرقم 84 لسنة2004. مع هامش بسيط في القانون المدني. مقابل كم هائل من القوانين التي تحمي القطاعات الأخرى. فلا يحق لنا مطالبة السلطة التشريعية بأن تسن قوانين لحماية النتاج الثقافي، مادام المثقف نفسه مقتنعاً بتلك القوانين. ربما نستطيع القول، ان القانون نسق مضمر وهامشي، لا أحد يفكر في التنقيب والبحث عنه، ولا يمكنه أن يجد مكاناً بين الأنساق الثقافية المهيمنة على المشهد الثقافي العراقي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة