بيع المكثفات النفطية في السوق المحلية

الفصل الأول الحلقة الثانية
فؤاد قاسم الأمير

تبدأ “الصباح الجديد” كما وعدت قراءها الأعزاء بمتابعة نشر كتاب الأستاذ فؤاد الأمير الخبير في الموارد الطبيعية والطاقة، حيث كنا قد نشرنا الحلقة الأولى من الكتاب ضمن ملحق زاد الذي صدر مع عدد الجريدة ليوم الخميس الموافق 30 من شهر نيسان المنصرم.
وقد تناول المؤلف تقديماً للكتاب واعقبها بتعريف وافٍ بالشركات التي تعمل في إقليم كردستان العراق بحقل إدارة الموارد الطبيعية بشتى المفاصل من انتاج وتصنيع وتسويق ، للرقعة الجغرافية لمساحة الإقليم، ووجدنا أن الشركات عملت ضمن “مناطق متنازع عليها”.
في هذه الحلقة يتطرق المؤلف إلى تجاوز جديد من قبل حكومة الإقليم على الحكومة الاتحادية ببيعها للنفط المنتج مباشرة إلى الأسواق العالمية من دون معرفة مؤسسة “سومو” وهي المعنية الوحيدة في جمهورية العراق بكل مايتعلق بتسويق النفط العراقي.
كذلك تلقي الحلقة الضوء على مايتعلق بانتاج الغاز والمكثفات النفطية وكيف يتم التعامل بهما من حيث الانتاج والتصدير.

الصباح الجديد

الجديد في عقود النفط والغاز الموقعة من حكومة إقليم كردستان
نود تبيان ما يلي بشأن هذا الموضوع:

أولاً: حكومة الإقليم بدأت بيع نفطها من غير علم الحكومة الاتحادية:
لقد ذكرت وكالة رويترز في 2/10/2012 خبراً(8) أثار حفيظة واستياء الكثير، وهو: “أن حكومة إقليم كردستان بدأت بيع نفطها في الأسواق الدولية بموجب اتفاقيات تصدير مستقلة تتحدى فيها سيطرة بغداد على تصدير النفط العراقي”. لقد حدث هذا الأمر وحبر الاتفاق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لم يجف بعد، إذ كان من المفترض أن تقوم حكومة الإقليم –وحسب الاتفاق- بضخ ما يزيد عن (200) ألف برميل/ اليوم في تلك الفترة، أو بالأحرى تضخ جميع ما يفيض عندها من نفط ومنتجات بعد إكمال حاجتها من النفط لأغراض التصفية.
إن خبر وكالة رويترز هذا يتضمن شراء شحنتين من قبل شركتين سويسريتين معروفتين في تجارة النفط ومشتقاته، وهما شركة ترافيجورا وشركة فيتول. حيث اشترت الأولى شحنة من المكثفات النفطية للتسليم في تشرين الأول 2012، وتم شحن النفط براً من “حقل كردي” إلى تركيا ثم تم تحميله في مطلع الشهر. تبعتها بذلك شركة فيتول، إذ اشترت شحنة “مكثفات” نفطية تبلغ (12) ألف طن للتحميل في نهاية الشهر ويبلغ سعر الطن (890) دولار، وعليه فإن كل شحنة تساوي أكثر من (10) مليون دولار،. واستمرت رويترز لتقول أن المتحدث باسم الحكومة العراقية قال في تعقيب على هذه المبيعات أن العراق يؤكد حقه في الملاحقة القانونية لكل أولئك الذين يشاركون في تهريب ممتلكات الشعب العراقي محلياً ودولياً!!. رفضت شركة ترافيجورا التعقيب، بينما أكدت شركة فيتول أنها اشترت شحنة من منشأ كردي للتحميل في تركيا ورفضت إعطاء أية تفاصيل أخرى، ولكن المتحدث باسمها ذكر “أن شراء الشحنة الصغيرة تم في عطاء عام بنظام تسليم ظهر السفينة في مرفأ طوروس في تركيا ولا تعليق إضافي”!!!. علماً أن الشركتين تزودان الجهات الاتحادية العراقية بالمنتجات النفطية (حسب ما ذكرت رويترز). هذا وقد ذكر السيد وزير النفط العراقي في 9/12/2012 في أثناء حضوره لاجتماع أوبك في فينا أن شركة فيتول Vitol قد اعتذرت للحكومة العراقية وألغت الصفقة، وذلك حسب معلومات توفرت لنا لاحقاً. كما عرفت لاحقاً أن شركة ترافيجورا اعتذرت أيضاً لوزارة النفط في فترة لاحقة.
إنني ذكرت تفاصيل الخبر، لأن الأمر متعلق بالشركة الإماراتية التي نتحدث عنها، وسنحاول لاحقاً أن نحتسب مبالغ هذه الشحنات وغيرها والتي تقول الشركة إن عوائدها تعود إليها “تحت توجيه حكومة الإقليم”، كما ذكرنا سابقاً.
عند الحديث عن المكثفات النفطية، فإن الجهة المعنية في كردستان هي “بيرل كونسورتيوم”، ودانة غاز وكرسنت بتروليوم الإماراتيتين يملكان80% من هذا الكونسورتيوم. وقد سبق أن اطلعت في أوائل حزيران 2012 على حالة مشابهة، وهي أوراق رسمية مختومة بأختام إيرانية تعود إلى أواخر أيار 2012، تتحدث عن حمولة شاحنة حوضية قدرها (21280) كيلوغرام من “النفثا”، كما مكتوب على أوراق الشحنة، مرسلة عن طريق السليمانية إلى شركة البتروكيمياويات “فارابي” في بندرإمام. والمقصود بالنفثا هنا، وعلى أغلب احتمال منطقي، هي “المكثفات” النفطية.
إن السيد مجيد جعفر في مقابلته في 6/11/2012، والمشار إليها أعلاه، لا ينكر الأمر الذي تحدثت عنه رويترز، ولكن يقول: “إن من يأخذ المكثفات أو يأمر بأخذها هي حكومة الإقليم. فهم يحددون لتجمع بيرل النفطي المشترى الداخلي. نحن لا نصدر المكثفات، وإنما نبيعها داخلياً تحت إشراف حكومة الإقليم، لذا فإن تقرير رويترز غير دقيق!!!” –علامات التعجب وضعت من قبلي-.، ويضيف: “نحن نعرف أن الاتفاق الأخير بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية قد وضعنا تحت رقابة ديوان الرقابة المركزية”!!.
إننا هنا نتحدث عن المكثفات النفطية التي تنتج عرضياً من الغاز الخام المنتج من خورمور، وتستخدم مثل هذه المنتجات في العراق لمزجها مع البنزين، أو لإنتاج البنزين المحسن، ولذا يطلق عليها “البنزين الطبيعي”، ويمكن إضافتها إلى النفط المصدر لزيادة كميته وتحسين كثافة هذا النفط، فهو يتضمن اعتيادياً على السوائل الهايدروكربونية الخفيفة، التي تكون أثقل من الغازات في الظروف الجوية الاعتيادية، أي أثقل من الغاز السائل البيوتان C4 وتشمل البنتان C5، والهكسان C6. وهي مواد ذات قيمة عالية إذ تستخدم أيضاً في صناعة البتروكيمياويات.

ثانياً: مناقشة الموضوع
(1) يتحدث الجميع على أن البيع يتم داخلياً، وكأن هذه المادة هي إحدى المواد التي يستهلكها المواطن الاعتيادي، علماً أنها غاية في الخطورة من حيث سرعة اشتعالها وبالتالي التسبب في الحرائق. لذا فإن البيع الداخلي يعني بالنتيجة الحتمية “التهريب إلى خارج العراق”. ويقال أيضاً أن الأمر يتم تحت توجيه ورعاية حكومة الإقليم، فالمسؤول الأول والأخير إذن هي حكومة الإقليم. ولكن هل تستلم حكومة الإقليم جزءاً من قيمة هذه المادة التي بيعت داخل الإقليم و”المهربة” خارجه بالنتيجة؟. هذا الأمر لا أستطيع نفيه أو تأكيده، ولكن تقرير شركة دانة غاز يقول إن هذه المادة تعود إلى الكونسورتيوم!!.
(2) إن معدل إنتاج المكثفات –وكما جاء في التقرير السنوي للشركة-، هو (12415) برميل/اليوم لسنة 2011. أي (4,53) مليون برميل/السنة لسنة 2011.
أما في 2012 فقد وصل معدل الإنتاج لهذه المادة (15) ألف برميل/اليوم، أي (5,48) مليون برميل لسنة 2012.
وبهذا فإن المكثفات المنتجة لسنتي 2011 و2012 وصلت إلى نحو (10) ملايين برميل.
ولو أخذنا سعر البيع الأخير، أي (890) دولار/الطن، أي نحو (113) دولاراً للبرميل على ظهر الباخرة في تركيا. ولنقل (95) دولار للبرميل مطروح في الموقع يكون مجمل بيع المكثفات لسنتي 2011 و2012 ما يزيد على (950) مليون دولار. ولو سلمت هذه المواد إلى الحكومة الاتحادية لبيعها مع النفط المصدر وبسعره العالمي، لكان بالإمكان بيع هذه المواد بمبلغ يتجاوز المليار دولار في كل الاحتمالات.

(3) هناك تقرير مطول صادر من شركة دانة غاز وعلى موقعها في 14/10/2012، وبعنوان: “إنتاج شركتي دانة غاز وكرسنت بتروليوم من كردستان وصل إلى (80) ألف برميل نفط مكافئ يومياً، وذلك بمناسبة الذكرى الرابعة”.
والمقصود بالذكرى الرابعة لافتتاح مشروع خورمور.
يقول التقرير بأن الاستثمار الكلي بلغ (1) مليار دولار، وأن الإنتاج الكلي ومنذ 2008 بلغ (67) مليون برميل نفط مكافئ، وأن المشروع وفر لحكومة الإقليم كلفة وقود تعادل (5,4) مليار دولار. ويقصد كلفة الغازأويل (زيت الغاز) الواصل إلى محطات الكهرباء في حال عدم توفر الغاز. سنرجع إلى كلف الغاز في فقرة لاحقة وسنستمر في احتساب كلف “المكثفات” النفطية.
يقول هذا التقرير أن الإنتاج اليومي للغاز قد وصل إلى (340) مليون قدم مكعب يومياً، وأن إنتاج المكثفات النفطية وصل إلى (15) ألف برميل/اليوم. وفي المجموع الكلي فإن إنتاج الغاز منذ تشرين الأول 2008 وحتى الآن قد بلغ (279) مليار قدم مكعب، كما وأن الإنتاج الكلي من المكثفات بلغ (13) مليون برميل. وهذه أرقام أكثر دقة مما ذكرته عن المعدل اليومي مضروباً في (365) يوماً. إذ أنها تعطينا مجمل الإنتاج الفعلي.
نرى أننا لسنا بعيدين عن الحسابات التي أجريناها كما مبين أعلاه، إذ كان مجموع المكثفات المنتجة التي توصلنا إليها في سنتي 2011 و2012 قد بلغت حوالي (10) مليون برميل حتى نهاية 2012. وهنا ذكر التقرير أن مجمل الإنتاج للمكثفات منذ تشرين الأول 2008 إلى تشرين الأول 2012 قد بلغ (13) مليون برميل، وعملياً يصل إلى (13,9) مليون برميل نهاية 2012.
بهذا نحن نتحدث عن قيمة مكثفات نفطية تعادل (1,32) مليار دولار لو بيعت داخل كردستان، وتصل إلى أكثر من (1,4) مليار دولار فيما لو سلمت إلى الحكومة الاتحادية لمزجها مع النفط المصدر.

(4) إضافة لما سبق، فإن التقرير السنوي 2011 لشركة دانة غاز يقول أنهم يستلمون مبالغ الغاز السائل LPG، بالإضافة إلى المكثفات النفطية، حيث أكملت وحدة الغاز السائل الأولى في كانون الثاني 2011، والثانية في حزيران 2011، أي لم يكن هناك بيع للغاز السائل في سنة 2010 وما قبلها. وذكر التقرير أن معدل إنتاج الغاز السائل لسنة 2011 وصل إلى (203) طن يومياً.
ولو افترضنا أن الغاز السائل يباع بالأسعار المدعومة جداً، أي يبلغ سعر الأسطوانة ذات (16) كيلوغرام (5000) دينار بسعر الجملة. فسوف يكون العائد اليومي حوالي (63,4) مليون دينار، والسنوي (23,141) مليار دينار وتعادل حوالي (19,3) مليون دولار، ونصل لسنتي 2011 و2012 إلى ما يزيد عن (45) مليون دولار.
علماً وحسب المعلومات المتوفرة من نشرة “Iraq Oil Report” في عددها الصادر في 28/5/2013، فإن حريقاً وانفجارات قد وقعت في وحدة الغاز السائل في 22/6/2012، أدت إلى توقف الوحدة منذ ذلك الوقت وحتى الآن، وإن الغاز المنتج يتم حرقه بصورة مستمرة!!، ويتم حالياً محاولة تصليح هذه الوحدة وإعادتها للعمل!!.

(5) تقول شركة دانة غاز في تقريرها السنوي –وكما مبين في ج- ثانياً، أعلاه-، أنها تسلمت (266) مليون دولار في سنة 2011، و(82) مليون دولار في 2010 من مبيعاتها في العراق، أي ما مجموعه (348) مليون دولار لهاتين السنتين. ولما كانت دانة غاز تملك40% من الكونسوريتوم، فهذا يعني أن الكونسوريتوم تسلم مبلغاً قدره (870) مليون دولار. ولو أخذنا سنة 2012 (وسنوات ما قبل 2010) بنظر الاعتبار، فإننا سنصل إلى أرقام قريبة جداً من أرقام مبيعات المكثفات التي تم احتسابها ووصلت إلى (1,32) مليار دولار، كما مبين في الفقرة (4) أعلاه.
علماً أنه في الوقت نفسه فإن الكونسوريتوم يستلم حصص من الدفعات التي تدفعها الحكومة الاتحادية إلى حكومة الإقليم نتيجة اتفاقية تصدير نفط الإقليم، حيث تسلم قبل فترة وجيزة (120) مليون دولار، منها (48) مليون دولار لشركة دانة غاز، إضافة إلى دفعة أو أكثر كانت قد سلمت إليهم في سنة 2011، وكما أوضحنا سابقاً.

(6) يقول الكونسوريتوم أنه صرف ما يقارب مليار دولار. كذلك قال المدير التنفيذي لشركة دانة غاز في 14/11/2012 أن حكومة الإقليم مدينة لهم بـ(300) مليون دولار. ولا أعرف هل يقصد أن الدائن لحكومة الإقليم هو كل الكونسوريتوم أو شركة دانة فقط. إذ لو كان المبلغ أعلاه يمثل دانة غاز لوحدها فهذا يعني أن الأقليم مدين على هذا المشروع حتى الآن مبلغ (750) مليون دولار!!.
بالواقع وعلى ضوء ما جاء في أعلاه لا أستطيع أن أفهم كيف أن حكومة الإقليم لا تزال مدينة للكونسوريتوم بهذه المبالغ، إلاّ إذا كانت مبالغ البيع للمكثفات تدفع بالنتيجة إلى حكومة الإقليم كلاً أو جزءاً. إذ من المفروض أن الكونسوريتوم قد استلم جميع مبالغه من المبيعات. كما وإن إعطائه حصة من المبالغ المدفوعة من قبل الحكومة الاتحادية لحكومة الإقليم أمر غير وارد مطلقاً، لأنه لا يعطي منتجات لغرض التصدير. وأن المبالغ تدفع عن الكلفة للشركات التي تصدر النفط.
كما يظهر مما سبق فإن مبالغ “المبيعات الداخلية”، للمكثفات والتي تهرب بالنتيجة، وكذلك مبالغ المبيعات للغاز السائل، تغطي كلفة المشروع وتزيد. وهذه المبالغ موزعة بين حكومة الإقليم وكونسوريتوم بيرل بتروليوم، أو لدى جهات أو “مشاريع” غير مبينة في التقارير والأخبار الصادرة من الشركات نفسها.
علماً أن المعلومات المتوفرة أخيراً تبين أن كمية قليلة من “المكثفات” قد أرسلت في آب 2012 إلى خط التصدير الرئيسي. ولكن هذه الكمية القليلة لا تؤثر في سياق هذه الملاحظات بالمرة. وسنرجع الى هذا الموضوع في نهاية حديثنا عن هذه الشركة في الفقرة خامساً.

الهوامش

6. “النزاع بين بغداد وكردستان خفض قيمة صكوك دانة غاز”. موقع دنانير في 30/10/2012.
– كذلك تحت عنوان: “نفط الهلال الإماراتية تعتزم توسيع عملها في العراق”. موقع دنانير في 14/11/2012.
7. “Q&A; Crescent Petroleum CEO Majid Jafer”. Iraq Oil Report. 6/11/2012.
8. “كردستان تبدأ تصدير النفط للأسواق الدولية متحدية بغداد” رويترز 22/10/2012.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة