كيف حصلت داعش على نضائر لأسلحة أميركية؟

في تحقيق لفريق بريطاني

سي جي شيفرز*

في وقت مبكر من صباح أحد الأيام في نهاية شهر شباط، خرج محقق أوروبي يعمل في كوباني، المدينة السورية الشمالية التي كانت لشهور ساحة قتال بين المقاتلين الأكراد ومسلحي داعش، خارج المبنى حيث كان يقيم ورأى شيئا غير عادي. شاهد المراقب كرديا في الشارع يحمل بندقية سوداء الطويلة، إعتقد المحقق إنها ( أم-16) من صنع اميركي.
والعديد من بنادق ام-16، كما تقول الحقائق التقليدية دخلت سوريا بعدما تمكنت داعش من الاستيلاء على آلاف منها من القوات الامنية العراقية التي تسلمت هذه البنادق مع مدرعات ومدافع هاوتزر ومخازن تضم اسلحة كثيرة ذات قيمة من وزارة الدفاع الاميركية قبل ان تنسحب القوات الاميركية من البلد في نهاية عام 2011. وكانت حيازة الدواعش المفاجئة للاسلحة الاميركية جزءا من الانقلاب في ساحة المعركة في الصيف الماضي، الامر الذي دفع جوليان بارنز مراسل صحيفة وول ستريت جورنال لكتابة تغريدة يقترح فيها اسما جديدا لحملة القصف الاميركي ضد الدواعش ليكون: عملية مرحبا هذه الهمفي تخصني. وبحلول هذا العام وبعد صب كل الاهتمام على الاسلحة المقبوض عليها اتضح ان بنادق ( ام-16) غير منتشرة في سوريا.
وقام المحقق الاوروبي بالطلب من مضيفه، وهو مسؤول أمني محلي، باللحاق بالرجل الكردي وسؤاله ان كان يسمح بتصوير البندقية والتاكد من اصولها. وسرعان ما وجد المحقق الذي يعمل في منظمة بريطانية خاصة تتعقب التسليح في اثناء الصراعات، وجد امرا يدعو للدهشة يضاف لدهشته السابقة. فلم تكن البندقية، التي قال صاحبها انه غنمها من مقاتلي داعش في العام الماضي، لم تكن من نوع ام -16 ، بل كانت بندقية صينية من نوع سي كيو مشابهة تماما لبندقية أم-16 لكن لها تاريخ يشير الى تهريبها.وتم حجب رقم البندقية التسلسلي بواسطة الحك، وتم صبغ البقعة المُزالة التي كان ملمسها خشن بطلاء اسود.
و هذا الجهد الهادف الى التعتيم على مصدر السلاح والذي تم عبر خطوتين كان مماثلا لما حدث لبنادق سي كيو الصينية التي تعقبتها المنظمة البريطانية نفسها مع منظمة بحثية صغيرة اخرى في جنيف والتي كانت بحوزة المتمردين في جنوبي السودان وتم توثيقها عام 2013 والتي كان مصدرها الاستخبارات السودانية . وخراطيش بندقية الرجل الكردي، كانت أيضا من الشركة المصنعة الصينية نفسها (مصنع 71) وتحمل سنة الإنتاج نفسها (2008)، تماما مثل تلك البنادق لتي وجدتْ سابقا في جنوب السودان.
وكانت هذه لحظة كشف. وكان المحقق،الذي يبحث عن شيء واحد، قد وجد شيئا آخر: أدلة تشير إلى أن داعش حصلت على أسلحة تدفقت على سوريا من شرق أفريقيا.
لقد كانت معلومة مهمة ضمن معلومات اخرى. ومنذ العام الماضي، قام محققو الاسلحة المستعملة في الصراعات – الذي يخططون لنشر أحدث النتائج التي توصلوا إليها بشأن أسلحة المسلحين هذا الاسبوع – قاموا بفهرسة منهجية للمعدات التي تم الاستيلاء عليها من مقاتلي داعش والتي تصل الى أكثر من 30 ألف. ولو درسناها كلها فانها تشير إلى ظاهرة تسهم في تماسك داعش وقوتها: فهذا التنظيم يحتل مواقع المصبات والاذرع الواسعة لمجمعات المياه، مع روافد تمتد إلى زوايا بعيدة من العالم
وستكون جميع هذه البيانات متاحة للجمهور على موقع على الانترنت اسمه آي تريس
يموله الاتحاد الأوروبي، على وفق ما قال لي جيمس بيفان مدير بحوث تسليح الصراعات ، الأسبوع الماضي. ولكن حتى البيانات المتاحة الآن، حين مقارنتها بمقابلات مع المقاتلين وتجار السلاح، تكفي لرسم صورة عن كيفية تمكن داعش من التوسع والانتشار لتصبح مصدر خطر دائم بواسطة جمع أسلحة مخصصة للآخرين.
هذه الصورة تمثل تذكرة واقعية لمن يعتقد أن تسليح المجموعات العسكرية وقوات المتمردين المسيطر عليها لن يرافقها مخاطر جسيمة. ومجموعة البيانات تدل على أن داعش مثل العديد من القوى غير النظامية قبل ذلك، فتحت صنابير من مصادر متنوعة. وتضم تحويلات المجموعة ذخيرة من المرجح ان تكون إيران قدمتها إلى قوات الأمن العراقية أو السورية، وكذلك أسلحة مستعملة سابقا في الحروب في ليبيا وشرقي أفريقيا ومنطقة البلقان، ومنها ايضا معدات مخصصة للمعارضة السورية التي تقاتل الرئيس بشار الأسد (أو حتى لمحاربة المتشددين أنفسهم) ولكنها قد بيعتْ، او تم مقايضتها أو تم الاستيلاء عليها من المتمردين الموثوق بهم.
وقائمة جرد معدات داعش نجد فيها بنودا لاسماء اسلحة مع الدول المصدرة: خراطيش من روسيا والولايات المتحدة؛ بنادق من بلجيكا ومجموعة من دول الكتلة الشرقية سابقا. الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات من ام بي دي أي ، وهي شركة متعددة الجنسيات لها مكاتب في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، فإن بعض تواريخ تصنيع الذخيرة في كوباني كانت تشير الى ان تصنيعها تم مؤخرا. وعثر المحققون على ذخيرة أسلحة صغيرة سودانية وروسية وصينية وإيرانية مصنوعة ما بين 2012-2014 – وهذا يدل على ان المنظمة المتشددة هي بعيدة كل البعد عن كونها معزولة من الناحية اللوجستية، بغض النظر عن القوى المستنفرة ضدها. (وهذا لا يعني أن داعش لديها كل الأسلحة التي تريدها، أو ان لديها ما يكفي من أنواع معينة؛ فهي تستعمل على نطاق واسع العبوات الناسفة المصنعة محليا).
ولا تدعي مجموعة البحث عن الاسلحة المستعملة في الصراعات انها تفضل نظرية على اخرى. بل انها لا تدعي رسميا ان بنادق سي كيو قد جاءت من السودان : ولكنها لاحظت وجود تطابق في تفاصيل هذه البنادق في كوباني مع التفاصيل الموجودة لديها ما يسمح للآخرين بالوصول إلى استنتاجاتهم الخاصة) ولكن هذه المجموعة التي يرأسها بيفان ومعه باحثوه، وبرغم عدم قيامهم بالحكم على بعض التفاصيل، لا يخجلون من القول ان بياناتهم قدمت فسيفساء واسعة وانها « قصة لا نهاية لها» كما يقول المحقق.

* ترجمة عبد علي سلمان
عن «نيويورك تايمز» الاميركية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة