حكاية لترنتوري

حسين علي يونس

منذ عشرة قرون وضعوني داخل الكهف وغادروا، أبي قصير الساقين تعامل معي بقسوة انتزعني من بين يدي أمي السيدة ذات الوشاح المنقط ودسني هناك.
– سيكون في مأمن
قال قصير الساقين
– سيقتله الرئيس
أمي التي بدأت تبكي بمرارة، كانت متفهمة لوجهة نظر تركي داخل الكهف، الرجل البغيض الذي أمعن بكرهه طوال تسعه قرون، عندما أغلق فم الكهف بمساعده أربعة من خدمه، كانت أمي تواصل نحيبها. كنت ولداً صغيراً نحيلاً، وضع في فم الظلمة، تركوني هنا وأحكموا غلق تلك الفتحة، ووضعوا ثقباً بحجم قبضة اليد يتيح لي أن أرى العالم عبرها وأن يراني.
بعد ثلاثين يوماً يمد قصير الساقين آلة ما لا أعرف كنهها، ويدلق لي من الفتحة بكومة كبيرة من الأغذية والجبن، ويزودني بكمية كبيرة من المياه عبر أنبوبة يتوجب عليّ في كل مرة أن أدعها تستقر في قلب ذلك الإناء الذي أحضروه معهم حين وضعوني في رئة الكهف.
أتوسل إلى قصير الساقين أن يخرجني من هناك، لكنه لا يعيرني أذناً مصغية أبداً كانت توسلاتي، تذهب أدراج الرياح، كنت كأنما أمضي قدماً لمناشدة صخرة.
في كل مرة كان قصير الساقين الذي هو أبي لسوء الحظ، يأتي بصحبة أحدهم كنت أراقبه من تلك الفتحة الأبدية ذاتها عندما يكون عليه أن يرحل تاركاً إياي في أبدية الكهف المظلمة (كل ما عليك فعله أن تتغوط بهذا الطست وإن تلقي ببولك وبرازك من هذه الفتحة من أجل نظافة مكانك ابني) هذا ما كان يقوله لي في كل مرة (نحن نحافظ عليك لا أكثر).
يقول أبي الذي أكرهه طوال تسعة قرون:
– تذكر أننا نفعل ذلك حفاظاً على حياتك، يقول قصير الساقين، ويطعن الرجل الذي يصحبه بسكين يخرجها من تحت أبطه، تلك عادة غامضة كنت الشاهد الوحيد عليها ما الذي يجعله يواصل سلسلة جرائمه. كنت أفكر في كل مرة بلا إنسانيته، وسلوكه إزائي وإزاء الرجل الذي سيقتله بعد لحظات.
كان يخبرني:
– إن ذلك ضروري من أجل أن نحيا.
يقول هذه الجملة الغامضة، ويمضي قدماً في ترسيخ جرائمه.

حكاية ثانية لترنتوري
كانت كلماته التي أطلقها أمام الحشد مؤثرة كقصيدة نثر عظيمة، إن ذلك حدث منذ الأزل عندما كانت الأمور، تسير خارج نطاق سيطرته. كان يبدو أن العالم لم يكن أكثر من خميرة تتعفن تحت شمس خالدة. هكذا كان يرى العالــم.
عندما كان يتجول في الأماكن القريبة إلى نفسه، كان ثمة من يوقظ في داخله ذكرى الرماد، التي أصبحت جزءاً من الماضي الذي غاب في طيات روحه الخامدة إلى الأبد. كان ذلك بالطبع يؤلمه، لكن ألمه لم يكن أكثر من ممر إلى قلعة الأحزان التي كان ينتمي إليها. أحياناً كان يفكر بالهجرة إلى تخوم أوروبا، الحياة هنا أصبحت جحيماً لا يطاق، لكن خروجه مستحيل ويقترب من حدود اللا ممكنات المطلقة في الكون. كان لديه عوق نفسي لا يجعله يتقدم خطوة باتجاه هدفــه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة