ابتسامة الفرقاء.. محاولة فهم

فضلا عن الإشكالات العميقة والعويصة التي رافقت التجربة خدميا واقتصاديا واجتماعيا، وغير ذلك من مستوياتٍ طوال ثلاث عشرة سنة، إلاّ أنّ الإشكالات الأمنية بقيت أعوصَها. وتلك الإشكالات بمجموعها هي إفراز طبيعي لما تحفل به الأروقة السياسية من خلافات عملت على تسييس المناخ العام. ولا نستغرب حتى لو طالت آفةُ التسييس بناء مُجسّر، أو فرش مُقرنص في الشوارع، أو تغليف دكان فلافل بالألكوبوند الألماني.
وإذا قسّمنا المشهد إلى بيضة وحجر.. نرى المكونات هي صاحبة البيضة؛ فهي الحطب اليابس والخاصرة الرخوة والعارية لتعاقب سنوات العَداء، والاستفزاز، وسوء الظنّ اللامع بين ذوي القوّة والنفوذ على السّاحة الذين لا يتأثر حجرُهم بالنتائج، ولا تطال النيرانُ حطـبَهم الأخضر. في الصيف والشتاء ينتقد الشارع العراقي المسؤولين فيقول: نرى الجماعة قاعدين على التبريد ونحنُ في حلق الموت. إنّ المجازر وصورة الموت المُنتشر (يترسان) حلْق العراقيين بالدماء والمرارة، والغضب في وقت تظلّ فيه المسؤوليةُ السياسية لدينا تمتطي ظهر سلحفاة وتغنّي بأغنيةِ الحلول البطيئة.
في ظل ذلك هل نتسرع اليوم بالسؤال عن مصير المواد الإنشائية السحرية على امتداد تلك السنوات عن مشروع بناء الثقة؟ في كلّ مرّة تقلّ وتتبخّر الثقة وتزداد التفرقة وعدد الفُرقاء عن عدد (اللُّصقاء في صفّ الوحدة!). وهذا ناتج من صعوبة كسر طوق العدم المُحكم أمام كل وضع من الأوضاع التالية: عدم وجود أفق نهاية للخلافات التي تعقد المشهد الأمني. عدم الاعتبار لدماء الضحايا المدنيين والشهداء التي سالت وتسيل. عدم توحيد الخطاب والرؤية. عدم وضع خطة عمل للمحاورة والمكاشفة والانفتاح بعيدا عن سوء الظن. عدم وجود مراجعات دقيقة للمراحل السابقة. وعدم التخلي عن النرجسية السياسية والاستفزاز، والعداء… لدينا اليوم مشاريع ترقيع ومشاريع إعادة إعمار هنا وهناك، إلاّ أنّ أهمّ المشاريع هو إعادة تأسيس الظاهرة السياسية العراقية من خلال استبدال حالة طرفي الخصوم والأعداء البالية والمُنهِكة بسياسيين يشتغلون بأخلاقيات الفريق تسميةً وجوهرا ويتعاونون على طيّ صفحة الموت الثقيلة، والخراب الهائل، والحروب النفسيّة المُتبادلة.
إنهاء داعش عسكريا، يتقدمه الإنهاء السياسي. ومن أجل ذلك من الضروري أنْ تتوازى الجهود داخليا وخارجيا بعد قراءة مستقبل العملية السياسية الجارية، ومستقبل العراق ودوره إقليميا، ودوليا على المدى المنظور. ويأتي ذلك من خلال العمل على محو اضطراب الحالة الآنية والإجابة عن السؤال التالي: هل يشكل العراق بحُلّته الراهنة رصيدا أم تهديدا لنفسه وللمنطقة؟ ولاسيما إذا قرأنا التصريحات السياسية التي تصدر بين وقت وآخر بأنّ الإرهاب سيطال الجميع.
ميثم الحربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة