كيف يمكن جعل العراق ضمن إطار الاستراتيجية الأميركية؟

لأجل إعادة التوازن في منطقة الشرق الأوسط

إيما سكاي*

قام السيد حيدر العبادي بأول زيارة له إلى البيت الأبيض بوصفه رئيس الوزراء العراق، وطلب دفعة عاجلة من طائرات أف 16 لمقاتلة داعش. ورحلة العبادي الى واشنطن وفرت للبيت الابيض فرصة ليس لصقل سياسته تجاه العراق فقط، وإنما لايجاد السبيل لجعل العراق يتناسب مع إطار استراتيجية أميركية أوسع لمنطقة الشرق الأوسط.
وحاليا، تركز سياسة واشنطن الاقليمية بنحو ضيق على تحقيق ثلاثة أهداف: هزيمة داعش ، في العراق ثم في سوريا اساساً. وتحييد الجماعات المتطرفة التي يمكن أن تهدد الولايات المتحدة أو حلفاءها. ونهاية ناجحة للاتفاق النووي مع إيران.
ويقول المنتقدون ان هناك تناقضات في موقف الولايات المتحدة في المنطقة لأنها تتعامل مع كل دولة على أساس ثنائي، ففي بعض الأحيان تبدو انها تصطف مع إيران ومنظمات مسلحة
في العراق ضد داعش وتارة أخرى تصطف مع السعودية ضد جماعات في اليمن تدعمها ايران. وتحتاج واشنطن إلى فهم أفضل لآليات الصراع في المنطقة إذا أريد لها أن تسهم في تحقيق الاستقرار بدلا من ان تفاقم الصراع.
وقد أسهم غزو العراق في آذار 2003 في عهد بوش، وطريقة مغادرته في عهد اوباما بترك الدولة العراقية ضعيفة وقد تغير فيها ميزان القوة لصالح إيران. وكانت النتيجة إشتداد المنافسة بين ايران من جهة ودول الخليج من جهة أخرى وفي الطليعة منها السعودية والامارات، ما عمق الشرخ القائم حاليا وقوّى التطرف الطائفي وحوّل المظالم الداخلية في كل بلد الى حرب إقليمية يقوم الوكلاء بها في سوريا واليمن.
وقد تم مدح إدارة أوباما لتحقيقها مكاسب إقليمية مهمة في الأشهر الأخيرة. وفي الواقع، فان ما يثلج الصدر أن القوة الجوية الأميركية أشتركت في تكريت. فبعد أسابيع من القتال، تعثرت القوات العراقية وبضمنها القوات شبه العسكرية وعانت خسائر فادحة. وعند هذه النقطة تحولت الحكومة العراقية إلى الولايات المتحدة، التي لم توافق على الضربات الجوية إلا بعد تهميش القوات شبه العسكرية وتولي قوات الامن العراقية القيادة. ومع ذلك، فهذه المكاسب العسكرية وحدها ليست كافية لهزيمة داعش.
فالتحدي الذي يواجه العراق هو كيفية تغيير الظروف نفسها التي سمحت بصعود داعش. فهناك النخب الفاسدة التي تحلب موارد الدولة من أجل مصالحها الخاصة، وهناك النفوذ الإيراني المتنامي وهناك ايضا احساس السنة بالمهانة والتهميش. وقد ولدت داعش من رحم القاعدة وان كانت قد تغذت من الحرب في سوريا ومن سياسات رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وعلى اية حال، فاذا لم يتم حل مشكلات العراق الاساسية ، فان النجاحات العسكرية ضد داعش لن تكون دائمة ولن تمنع ابن داعش من النمو في المستقبل.
وما يزال مستقبل العراق متوقفا على مصالحة حقيقية وعلى لامركزية السلطة. ومع ذلك، لم تحقق النخب العراقية تقدما يذكر في بناء الهوية الوطنية الجماعية التي ترتبط بها جميع مكونات المجتمع ولم يتم التوصل الى اتفاق بشأن مبادئ حكم الدولة.
وفي حين يتفهم العبادي اهمية نقل المزيد من السلطات إلى حكومات المحافظات، وجد نفسه يواجه التحدي المتمثل بان الجهات الفاعلة غير الحكومية في العراق اليوم هي أقوى من الدولة. وهو يحاول فرض سيطرته على التنظيمات شبه العسكرية ، وفي الوقت نفسه الحصول على دعم الولايات المتحدة لتحقيق التوازن. ويُنظرْ للعبادي على انه اكثر مودة وواقعية من سلفه المالكي، وقد أظهر استعداده للتواصل مع الأكراد والسنة، ولابدال الضباط الفاسدين وذوي الميول الطائفية الشديدة وتحسين علاقات بغداد مع القوى الإقليمية غير ايران. ومع ذلك، يواجه العبادي قيودا أكبر من سلفه: فقد تكون لديه الإرادة للقيام بما هو مطلوب بنحو واضح، لكنه يفتقر الى القدرة على اجراء الاصلاحات اللازمة. واضافة للتحديات السياسية الداخلية، يواجه العراق أيضا عجزا يبلغ 22 مليار دولار بسبب انخفاض أسعار النفط، ويشهد أزمة إنسانية متزايدة بعدما فر عشرات الآف من منازلهم.
ومساعدة العبادي لاتكون بارسال الاسلحة فقط، فهو يحتاج الى دعم الولايات المتحدة للمساعدة في المصالحة والتكامل الإقليمي ، وتنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط.
وبرغم ان البعض في واشنطن يأمل ان يؤدي الاتفاق النووي مع ايران الى جعلها شريكا في استقرار الشرق الاوسط، لكن هناك احتمالا في ان تقوم ايران باستعراض عضلاتها اذا تحسن اقتصادها بعد رفع العقوبات بما في ذلك داخل العراق لترجيح كفة معينة.
وردا على ذلك، وخوفا من أن تذعن الولايات المتحدة لإيران إقليميا، قامت الدول العربية بمحاولة إنشاء جيش عربي للقتال في اليمن.لكن الرد العربي، له مخاطره أيضا. وباتت الدول العربية تستفيد من الاسلحة والأجهزة الاميركية ذات التقنية العالية. فالسعودية تستعمل الاف 15 لقصف اليمن، في حين تستعمل الامارات الاف -16 لقصف سوريا واليمن.
وعلاوة على ذلك، تستعمل داعش الاسلحة الاميركية التي تركها الجيش العراقي ويستعمل الحوثيون الاسلحة الاميركية التي كانت عند الجيش اليمني. والتنظيمات شبه العسكرية في العراق تستعمل اسلحة اميركية مخصصة للجيش العراقي. وتزامنا مع ذلك وافقت روسيا على بيع نظام دفاع جوي متقدم إلى إيران.

ولم تتمكن المنطقة من ايجاد استقرارها ولا حل نزاعاتها. والاستقرار في المنطقة يتطلب توازنا أفضل بين القوة والهيكل الأمني الإقليمي. وهذا لا يمكن تحقيقه ألا بواسطة تصرفات متوازنة يقوم بها الضامنون الخارجيون. وليس هناك سوى الولايات المتحدة. واذا تركت المهمة للاخرين فالنتيجة بالتأكيد ستكون زيادة الاضطراب.
وعلى الولايات المتحدة أن تكون جريئة وتغتنم فرصة الاضطرابات لتضطلع بدور متجدد في المنطقة يوازي دورها العسكري. وهذا يتطلب رؤية ما ستكون عليه المنطقة مع مشاركة أكبر. وهذا يعني التعامل مع إيران بتشكك، ولكن بطريقة بناءة، وإقناع الدول العربية بأن الولايات المتحدة ما تزال حليفتهم. وبهذه الطريقة، ستكون للولايات المتحدة القدرة على إعادة ترتيب المنطقة. ولعبت تصرفات الولايات المتحدة في العراق بما فيها امتناعها عن التصرف دورا حاسما في زعزعة استقرار المنطقة. وبالتالي فان المفتاح الأولي لتحقيق الاستقرار في المنطقة يوجد في العراق ايضا.
*خبيرة بالشرق الاوسط عملت مستشارة للقوات الاميركية في العراق

*ترجمة عبد علي سلمان
عن يورو أشيا ريفيو

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة