الأخبار العاجلة

المغامر الذاهب إلى الفراغ

رحيل الفنان محمد مهر الدين يثير شجناً ثقافياً، مثلما يثير سؤالاً إنسانياً فاجعاً عن شكل هذا الرحيل في الغربة، وعن قسوة أن يظل المثقف العراقي يعيش إستلاباتها بعيداً عن فضاءاته ويومياته وعلاقاته الحميمة..
مهر الدين شاهد على الذاكرة الفنية منذ أكثر من نصف قرن، عاش تحولاتها الكبرى، واشتبك في هوس أسئلتها المفتوحة على التاريخ والسياسة والاستبداد والحلم.. كان يبحث بحميمية عن الحرية بوصفها موقفاً، مثلما كان يبحث عن متعاليات الجمال بوصفها تعبيراً عن التوق للفكرة المتعالية والوعي المتعالي..
انغماره المبكر بعوالم اللون جعله أكثر اقتراباً من فلسفته، ومن وظيفته التشكيلية والرمزية والجمالية، إذ يبحث من خلال اللون عن هاجس الفكرة، وعن ما يتساقط من كشوفات الرؤية، ولعل دوره في تأسيس «جماعة الرؤية الجديدة» العام 1969 تعكس جدّيته في صياغة مقدمات منهجية لمشغل فني يقوم على تجاوز ما هو واقعي مباشر إلى ما هو رمزي، إذ تتسع فيها البنية اللونية، وتتسع معها اللوحة بتقاناتها الحديثة تعبيراً عن وعي الفنان لمفاهيم الحداثة، وللتحولات التي أثارتها البيانات الفنية في الغرب، تلك التي وضعت الفنان أمام مغامرة البحث عن أشكال تعبيرية وتجريبية مغامرة، على مستوى في وعي التجريد الفني، وعلى مستوى معالجته لأسئلة وجودية وفلسفية وجمالية، فضلاً عن الانفتاح على تأثيرات يختلط فيها البصري مع السيميائي، والحلمي مع الرمزي..
وأحسب أن تأثر مهر الدين- الدارس في بولندا- بالمدرسة الفرنسية، لاسيما ماتيس وبونار، فضلاً عن أساتذته سانبورسكي وأريتموفسكي قد جعله أكثر اقتراباً من هذه الاتجاهات الجديدة، ومن مغامرات التجريد، والتي أغنت بصرية اللوحة، ووظائفية الرمز اللوني، وباتجاه تشكيل زاوية نظر مبكرة، تلك التي تستنطق الكثير من النسقيات المضمرة، فضلاً عن إتكائها على مستوى تعبيري يقوم أساساً على الإفصاح عن المفارقة التي اتسمت بها لوحاته..
رمزية مهر الدين ليست تعبيراً عن فكرة عائمة، بقدر ما هي تعبير عن وعي فلسفي وبصري، ينعكس على سطح اللوحة، وعلى طريقة استعماله للألوان ومواد الطبيعة، إضافة إلى بعض الإكسسوارات وما يستدعيه من وعي إشكالي انعكس على ترسيم موقفه المعرفي، وحتى السياسي، إذ كثيراً ما نهجس بحمولات لوحاته للهمّ الإنساني والوجودي، وللقلق المعرفي، إذ يساكنه حافز يدفعه للبحث عن الجديد، مثلما حملت- في مراحله الأخيرة- الإحساس الفادح بالاغتراب الداخلي، والتوهج إزاء فكرة الغائب/ الوطن/ المعنى/ الحب..
مفهوم التجديد عند محمد مهر الدين ينطلق دائماً من حاجة معرفية، مثلما ينطلق أيضاً من رغبة ثورية، تلك التي جعلته أقرب للمناوئة، والمغامرة، بحثاً عما يمنحه الإحساس بالجدوى الفنية، والفكرية، على مستوى التلازم اللوني البصري، وعلى مستوى الفكرة التي ينحاز إليها وعيه القلق، والشقي..
لقد رحل مهر الدين في الغربة، يساكنه هاجس الوجع والحنين.. ترك خلفه أمكنة شائهة، وحائطاً فارغاً، أو ربما لوحة لم تكتمل بعد..
كان الرجل ضاجاً بالحياة والألوان، والأفكار والأسفار… يوهم نفسه دائماً بالأثر، يبادله الهرب والأماكن الطارئة…لكن مشكلة الرسام هو المكوث كثيراً أمام الجسد والحائط والمسند والفراغ…
لقد ذهب أخيراً إلى الفراغ.. الفراغ الذي يخصنا جميعاً.
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة