رسام الحياة المضطربة يرحل بعيداً

كريم النجار

ما من فنان عراقي عاش الانفعال والقلق في أغلب أعماله الفنية الرسومية، مثل الفنان محمد مهر الدين، فهو منذ انطلاقته الفنية أوائل ستينيات القرن الماضي، كان كالمرجل الذي يغلي من الداخل ويفيض بالألم المكبوت من دون صراخ، عبر كم الأعمال الكثيرة التي أفرغ فيها شحناته ووحشة الإنسان وغربته داخل بلده ومجتمعه، قبل تغربه وغرابة عالمه الذي يعيشه وهو مكبل بالكثير من الممنوعات والعوائق، ومما يهشم الجانب الإنساني في كيانه.
عاش مهر الدين قبل تخرجه وبعده من معهد الفنون الجميلة عام 1959 ظروف العراق السياسية الصاخبة آنذاك، حيث الصراع الشديد بين الأفكار التي تشد نحو الماضي، والأفكار الجديدة التي يتجاذبها تيارا القومية واليسار، وكان منذ البدء منحازاً لليسار، حيث وجد في الفكر الماركسي الخلاص من التخلف والرجعية ونشدان العدالة الاجتماعية والإنسانية، فترسخت لديه مذاك روح التمرد والتحريض، وتعزز هذا الاتجاه عنده أكثر بعد أن سافر ببعثة دراسية إلى بولونيا العام 1961 والإطلاع عن قرب على التجربة الفنية البولونية المثيرة للجدل وتأثره بها، والتي تعدّ من التجارب الثورية في الفن الجداري والملصق والتصميم. هذه التجربة التي بقي أثرها واضحاً في أعماله، إضافة إلى تأثيرات تقانات الفنان الاسباني (تابيه) العنيفة على السطح التصويري للعمل.
نجد تلك التأثيرات ووقعها البيّن في معرضه الأول العام 1965 في بغداد، هذا المعرض الذي أحدث ربكة وخضة في مفهوم الرسم العراقي، حيث أضاف الفنان مواد انشائية مختلفة على سطوح أعماله، إضافة إلى الحزوز والإشارات والرموز الدالة على الاستلاب وتشويه الإنسان في العصر التكنولوجي المتسارع الخطى وسيطرة إرادة السوق والآلة عليه، هذا الشكل من الرسم لم يكن مألوفاً آنذاك في العراق، ومن هنا أتت تأثيرات الفنان على أجيال فنية لاحقة، ورأينا طغيان ذلك في أعمال الكثير من طلبته الذين درسهم في معهد الفنون الجميلة منذ أواسط الستينيات حتى العام 1993، حين ضاق عليه هذا المعهد الذي أصبح شيئاً فشيئاً مدرسة مغلقة تحت يد السلطة وحزبها من دون مراعاة للمواهب الفنية، مما جعله يترك مهنة التدريس ويتفرغ لفنه بنحو تام.
الانتقالات المؤثرة في رسوم الفنان مهر الدين مرت بمراحل عديدة من التجريب في الخامة والتقنية والموضوعات، فأعماله الستينية والسبعينية، كانت تغلي بواقعيتها الصادمة، برغم أنه لم يرسم الواقع كما يراه غيره، بل رسمه بفكره ورؤيته الاشارية الخاصة، ونظرته لقضايا الإنسان المعذب والمضغوط من قبل المجتمع والسلطة، وواقع الرأسمال الجشع. وقد برر ذلك في أثناء لقائي به منتصف التسعينيات في عمان وأنا أجري معه لقاء لصالح مجلة “المجلة” التي تصدر في لندن، قائلاً: “لدى عودتي من بولونيا العام 1967 كنت أمارس التجريب باستعمال مواد مختلفة، بغية التوصل إلى طريقة تعبير تميزني وتجعلني قادراً على التعبير عن مضامين ذات تماس بالحياة المحلية والعالمية التي تتمثل بدور الإنسان، ومحاولات استلابه وتغريبه. كانت أعمالي آنذاك ذات طابع مأساوي معاش. الانسجام اللوني يلعب دوراً كبيراً في الأعمال، كالأسود ومشتقاته والأزرق ومشتقاته (ليس هناك ثمة ألوان مفرحة)؛ لأن المضامين كانت مأساوية..).
الانتقالة الأخرى، والتي هي أشد معاناة باعتقادي، حدثت في مطلع الثمانينيات حتى منتصف التسعينيات، حيث تكرس توجهه التجريدي ذو البعد الاشاري والرمزي في معظم أعمال هذه الفترة، مع الاشتغال على التقانات اللونية والخطوط الحادة والجملة المقتضبة، التي تأتي بمنزلة السهم في الهدف، والتي في الوقت ذاته تراوغ الرقيب الفكري والفني، الذي كان أحد هواجسه تلك الفترة القلقة والمريرة، وهو يشاهد الكثير من الفنانين محاصرين برسوم دعم المجهود الحربي أو معارض الحزب وانتصارات الدكتاتور الوهمية والكاذبة، وفي الوقت نفسه يتساقط آلاف الضحايا نتيجة تلك الحروب العبثية والاضطهاد والحصار من قبل النظام والمجتمع الدولي الذي بدء يفتك ببنية المجتمع العراقي ويفكك الكثير من أواصره. هذه المرحلة كانت هي الغربة الحقيقية التي عاشها الفنان داخل بلده، ولم يتنفس الهواء الطلق إلا حين كان يسافر إلى الأردن وقتها، وهو النافذة الوحيدة آنذاك للعراقي الذي يروم مغادرة البلد، وقد التقيته هناك في أكثر من مناسبة أواسط التسعينيات، وكان يعاني في سفراته تلك من وضعه المادي الصعب، مما يضطره إلى تقديم التنازلات في أسعار أعماله حتى يوفر بعض المال لإدامة معيشته.
بعد التغيير الذي حدث العام 2003 وإزالة النظام الدكتاتوري، كان يأمل أن يكون ذلك انتصاراً للإنسان العراقي الذي رسم معاناته وكفاحه طوال مسيرته الفنية، لكن ما حز في داخله هو رؤيته للدبابة والجيوش الغازية تتحكم في مصائر الناس وتدوس كرامتهم، كذلك التشوه الواسع الذي حدث في بنية المجتمع الذي كاد أن ينهار في أثناء الاحتراب والفرز الطائفي الذي حدث العام 2006، هذا الأمر دفعه إلى أن يغادر العراق نحو الأردن حتى رحيله وهو يعاني من الوحدة والمرض، لكنه خلال هذه الأعوام حقق أعمالاً رجع فيها إلى أسلوبه التحريضي الناقد عبر معرضه الأخير في غاليري “الأورفه لي” المعنون “حرب قذرة” وهي أعمال تعيد صرخته من جديد بوجه آلة الدمار وبشاعة الحرب.
تبقى لنا ولمحبيه، ولحفظ التراث الفني العراقي أمنية، في أن تقوم المؤسسات الفنية والثقافية، ممثلة بجمعية التشكيليين ووزارة الثقافة ونقابة الفنانين، بمتابعة وجمع نتاج فناننا الكبير، المتناثر هنا وهناك، وتخصيص قاعة له وباسمه داخل مركز الفنون ببغداد؛ لأن هذا النتاج هو ثروة عراقية وطنية، لفنان جسد معاناة الإنسان العراقي في كل أعماله.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة